الطريق إلى الخليفه / محمد فاضل ولد الهادي

سبت, 12/01/2019 - 01:46

كنت إبان التعديلات الدستورية 2017 قد كتبت مقالا عنونته بـ "شجاعة القائد .. مفتاح النصر"، و كنت حينئذ أقدم للقارئ الكريم معارضا و مواليا رؤية أريده أن يؤمن بها و يقتنع بها، و خلاصة مرحلة ليس لأحد قدرة في أن يقف في وجه التحول الذي تشهده حينئذ، ألا و هو تعديل الدستور بما تتطلبه مرحلة نشأة الجمهورية الثالثة.
اليوم و قد أنشأت تلك الجمهورية و برزت معالمها و المتغيرات التي فرضتها، جاءت مرحلة ما بعد النشأة و تلخصت في عدة خطوات، كان من أهمها و أبرزها نجاح الانتخابات البرلمانية المنصرمة و التي حظيت فيها بإدارة ملف مقاطعة من أكثر مقاطعات الوطن صعوبة و أقلها قابلية للإقناع لما يكتنفها من تشعب في الرؤى و تداخل في التوجهات السياسية و الاجتماعية و لطابعها الاقتصادي البحت، مدينة أزويرات ذات التركيبة السكانية المشكلة من عمال الشركة الوطنية للمناجم و الحديد، وأعتقد أن الفريق الذي رافقني كنت و إياه على دراية تامة بخطورة المهمة و جسامتها خاصة لإرتباطها برجل يرتهن به مستقبل البرلمان الموريتاني، و هو اليوم و لله الحمد جالس على كرسي رئاسته معززا مكرما.
و اليوم و نحن نخطو خطوات مدروسة بعناية نحو تشكيلة المشهد السياسي المهيأ للإنتخابات الرئاسية القادمة، لا بد لنا من استحضار الماضي القريب و تحليل الواقع للخروج بخلاصة تعين القارئ الكريم على وعي و فهم ما تقتضيه مرحلة ما بعد التأسيس.
بالأمس عدنا من مسيرة مظفرة دعا لها حزب الاتحاد و تبناها رئيس الجمهورية و نفذتها الحكومة بشكل سلس، حيث استوقفني خطاب رئيس الجمهورية فأردت أن أقدم قراءة سريعة للخطاب بعيدا عن السطحية التي اكتنفتها تقارير الإعلام الرسمي و الخصوصي حول هذا الخطاب، فمن واجب الكاتب على من يقرأ له أن يعطيه الصورة الحية و يقدم له التحليلات المبنية على أبعاد و دلالات الخطاب لا على مفاهيم سطحية و معلومات جزئية لا تمت بصلة إلى الغرض المرجو من الخطاب السياسي الذي استمعنا له و تابعناه.
و ألخص تلك النقاط فيما يلي :
أول ما ذهب إليه الرئيس محمد ولد عبد العزيز في خطابه هو تجريم حاملي خطاب الكراهية و العنصرية و من على شاكلتهم، و قد أصر على تجريمهم، و من المعلوم أن رئيس الجمهورية إذا وصف شخص أو مجموعة أشخاص بالمجرمين فلا بد أن يستند على أدلة قانونية لذلك التجريم، لأن رئيس الجمهورية يحمل الصفة الرسمية للدولة و لا يحق للدولة تجريم مواطنيها إلا بوجود نصوص قانونية تجرم الفعل المنسوب إليهم. و هو ما حصل حين استطرد و ذكر القانون المجرم للتمييز و خطاب الكراهية و العنصرية.
ثم إن رئيس الجمهورية إنما أراد من خلال تلك الإدانة مواصلة نفس الإدانة التي أصدرها في جولته في الولايات ابان الانتخابات المحلية و التشريعية المنصرمة، و هو دليل قاطع على أن السبب الرئيس لهذا الهجوم على العنصريين، و المقصود هاهنا النائب بيرام و النقابي الساموري و الغلاة و المقصود هاهنا الإسلاميين و من على شاكلتهم.
تلك المواصلة إنما جاءت لإبعادهم عن أذهان الناس تمهيدا إلى تقديم الأفضل، فالرئيس بنظري في مرحلة تسليم للسلطة، و هو يهيأ الظروف المناسبة ليسلم شعبيته بشكل سلس إلى خلفه و لن يقوم بذلك ما دام هناك من يمكن أن يكون أقدر في نظر الرئيس على استعطاف المواطنين أو استمالتهم، و ذلك ما يعمل عليه الرئيس منذ الانتخابات المنصرمة و حتى اليوم.
فلذا تم تجريم أولئك من أجل ابعادهم عن أذهان الناس و تحضير المشهد للقائد القادم، مهما يكن.
بعدها توجه الرئيس إلى نقطة أخرى ذات أهمية كبيرة و تحمل في طياتها أيضا مخاطر جمه، و هي الموارد التي تنتظر الشعب الموريتاني في العام 2021 و يعني هاهنا الغاز، فالرئيس يفهم من كلامه خوفه الشديد على أن يؤدي الغاز إلى أزمة تهز كيان الدولة فهو يعي جيدا مخاطر الثروات المكتشفة على الدول إبان اكتشافها فيها، و التاريخ يشهد على ما دار من حروب بسبب الثراء السريع للدول في ظل وجود الجهل و المحسوبية و الجهوية و القبلية و العرقية.
فهذه العوامل كلها تؤثر بشكل مباشر على استقرار البلد، و قد تؤدي إلى تحزبات و تحالفات مخالفة لمفهوم الدولة و مفهوم الكيان الواحد، و هو ما يخشى على الموريتانيين الانزلاق نحوه. خاصة أن الأعوام الماضية شهدت دعوات انفصال اعتمدت كلها على مفهوم الموارد الطبيعية سواء ما صدر منها من الشمال أو الجنوب كدعوة عمدة أوجفت السابق أختار ولد أحمين أعمر و عثمان ولد أحمد عيده المنحدر من أسرة الإمارة في آدرار، و كدعوة نائب رئيس "أفلام" بانفصال الجنوب.
كل ذلك يجعل الرئيس يخشى على من سيخلفه من عدم القدرة على السيطرة على الموقف في تلك الظروف و تلك اللحظات الفاصلة ما بين الازدهار و الانشطار.
لذلك كان واضحا في كلام الرئيس محمد ولد عبد العزيز أن البلد مقبل على الازدهار، و ركز أكثر على هذه العبارة ذات البعد التفاؤلي و لم يتحدث عن تلك العبارة ذات الطابع السلبي و الاحتمال الغير مرغوب فيه.
محمد ولد عبد العزيز كان يريد للناس أن يستفيقوا و أن يعوا حساسية المرحلة بدل أن يسيروا بدون وعي للمخاطر و يقعوا في المحظور، حين لا ينفع الوصل.
من الرسائل أيضا المهمة التي أرسلها رئيس الجمهورية إلى الشعب هي تلك العلاقة التاريخية، و قد جمع لها جيشها، فأحضر محمد خونه ولد هيداله، و أحضر مسعود ولد بلخير، و أعتقد أنه لو استطاع احضار معاوية ولد سيد أحمد الطائع لفعل، لكن لم يكن من الميسر له سوى أن يحضر هاذين، و هما للأمانة رمزين من رموز الوطن، و لكل منهما مواقف و أدوار كان ينظر إليها من المحايدين على أنها إيجابية، و هذا مهم للتاريخ.
الرئيس ولد عبد العزيز استحضر أيضا موضوعا جامعا للموريتانيين و هو نصر يحسب للرئيس دونا عن سواه من رؤساء موريتانيا، ذلكم مكانة موريتانيا في مجال كرة القدم، و هي بالفعل مكانة أصبحت بعيدة جدا من واقعها في العهود الماضية، و الرياضة دائما ما تكون محل اجماع و تذكر الشعوب بأهمية الوحدة و هي أمر يتفقون عليه، بشكل منقطع النظير.
الرئيس أيضا لم ينسى أن يشكر من حضر، و قد بدأ بالجمعيات و هنا يمكن القول أن قصد الرئيس بالجمعيات هو المجتمع المدني، الذي و للأمانة قام بدور كبير في هذه المسيرة لكنه أيضا يعاني من كثير من الصعوبات يبدوا أن الرئيس يحمل خلفه مسؤولية إعادة النظر في التعاطي مع المجتمع المدني نظرا لأهميته و لما له من تأثير على نفوس المواطنين لما يقوم به من خدمات مباشرة لصالحهم.
شكر الرئيس أيضا الأحزاب و كان اختياره لعبارة أحزاب مجردة، غاية في الذكاء، حيث أن وجود مسعود كان مشروطا بدعوة الحكومة و الرئيس للمسيرة، و هنا يفهم من الرئيس استعداده و تحضيره لشراكة مع مسعود لها أبعاد تتعلق بالمسيرة و فحواها و أخرى تتعلق برد الجميل للرجل في عهود ماضية لربما كان آخرها ما أنا عليه من الشاهدين في أزويرات من دعم و مساندة قدمه مسعود، و كان عطاء سياسيا سخيا، له ثمن سياسي يجب أن يدفعه الرئيس الذي سيخلف الرئيس ولد عبد العزيز.
و يبقى سؤال واحد : هل كان خليفة الرئيس حاضرا على المنصة ؟
كل ما استطعت استنتاجه صراحة و للأمانة أن خليفة الرئيس لربما بالفعل هو حاضر على المنصة عن يمين أو يسار الرئيس و لا يبدوا لي من خلال هذا الحدث أن الرئيس له خيارات كثيرة و لكنني أيضا لن أقدم فرضية تحدد من وجهة نظري الرئيس القادم، ففي الأخير الرئيس الذي سيأتي لن يسلك غير نهج الرئيس محمد ولد عبد العزيز، مع مراعاة تجربة الرجل لتفادي أخطاء وقعت عن غير قصد في عهده.
هنالك رسالة أخيرة لا يمكننا التغاضي عنها، و كنت أريد أن أختم بها، و تتعلق بالمعارضة، أعتقد أن المعارضة أمامها تحدي يجب عليها أن تثبت أنها ضد الكراهية و لديها الفرصة للقيام بذلك، من خلال مسيرة و مهرجان، إذا قل حجمه عن حجم مهرجان الرئيس و شعبيته، فإن المعارضة ستكون أضحوكة أمام الجميع، و إذا زاد عما استطاع الحزب الحاكم أن يقدمه، و ما استطاع الرئيس أن يقوم به، فعندئذ ستكون انتخابات 2019 مسألة حياة أو موت بالنسبة للطرفين، و لست متأكدا أن المعارضة يمكنها أن تقدم مثل ما قدم الرئيس بسبب غيابها عن الساحة و بسبب رفض بعض الجهات من داخلها للخوض في موضوع الكراهية و العنصرية و الغلو، لأن تلك الجهات تعمل بهذه الوسائل أملا في الوصول إلى السلطة.