الأعلاف الخضراء في انبيكت لحواش! / محمدو ولد البخاري عابدين

جمعة, 24/05/2019 - 17:24

منظر يجلي عن القلب الحزن تلك المساحات الممتدة على مد البصر والمزروعة بأنواع الأعلاف الخضراء في تلك الصحراء، وباستخدام تقنية الري بالرش التي تقتصد مياه الري بشكل كبير، وتمكن من ري مساحات كبيرة بشكل آلي دون الحاجة لمجهود بشري. خضرة ونبع وحياة  في تلك الربوع من وطننا التي ظلت تنفخ فيها الرياح،  وظل أهلها تائهون لا يعرفون هل هم منتمون لوطنهم أم لوطن آخر، وقد صدقوا عندما وصفوا حالهم  بالقول ( ما كنَّ خالكّين ) قبل إنشاء هذه المقاطعة وهذه الخدمات وهذه المشروعات.. ولا زلت أتذكر أحدهم في أحد برامج الإذاعة الريفية تسعينات القرن الماضي وهو يقول للصحفي معد البرنامج : " أنتوم أهل موريتاني.. " فيقول له الصحي وأنتم ألستم موريتانيون؟ فيقول له وماذا تقول أنت، " أشكّلت انت كاع "؟ وكأنه يريد أن يقول له ماذا لاحظت من حالنا وغياب أي مظهر للدولة وخدماتها مما يوحي لك بأننا مواطنون من هذا البلد!
طبعا لا شيء يمكنه تعويض الأعشاب الطبيعية من حيث التكاليف كونها أعشاب تنبت وتنمو تلقائيا بعد سقوط الأمطار الموسمية مشكلة مراع طبيعية توفر الغذاء للمواشي عدة أشهر من السنة دون حاجة هذه المواشي لمكملات علفية صناعية كانت أو زراعية، وهذا النمط من الرعي وتربية المواشي هو الذي ظل سائدا في بلدنا منذ نشأته، وإن كانت بعض مناطق البلاد عرفت منذ القدم زراعة بعض أنواع الأعلاف كالبرسيم الحجازي ( الفصه ) كما هو الحال في ولاية آدرار تحت واحات النخيل، ولكن ذلك كان بمساحات متواضعة ومخصصة بالأساس لتغذية المجترات الصغيرة.
اليوم وبعد التزايد المعتبر لعدد الرؤوس من مختلف أنواع المواشي إبلا وأبقارا وأغناما وحميرا، وتذبذب وتناقص التساقطات المطرية، أصبح ما توفره الطبيعة من المراعي واقعا تحت الضغط الشديد والرعي الجائر ( Surpaturage )، وأيضا بعد مباشرة السلطات إدخال تقنية تحسين السلالات تمهيدا لاعتماد التربية المركزة للمواشي في صورة حظائر مستقرة هي التي يمكن معها إنشاء مصانع الحليب ومشتقاته، فإن ذلك لا يمكن أن يتم بشكل اقتصادي ومستديم دون الاعتماد على زراعة الأعلاف ذات القيمة الغذائية العالية وليس بالاعتماد على المراعي الطبيعية التي قد تتوفر وقد لا تتوفر، ومعروف أن سلالات الأبقار عالية الإنتاج من الحليب تنتج فقط من الحليب قدر ما تستهلكه من الأعلاف الخضراء أو الصناعية، هذا فضلا عن أن طريقة الإنتجاع التقليدي لم تعد ملائمة في هذا العصر حيث استقرار معظم السكان في المناطق الحضرية وعزوف الكثيرين منهم عن مهنة تتبع المواشي ورعايتها.
ولكثرة وتعدد مواصفات أنواع وأصناف الأعلاف الخضراء وارتفاع قيمتها الغذائية، أصبح بالإمكان الاعتماد في تربية المواشي على زراعة الأعلاف الخضراء حيث ما توفر الماء، ولأن هناك مناطق تتوفر بها المياه بشكل دائم كما هو الحال في أراضي الضفة، فإنه من المفيد إدخال هذه الزراعة في المنظومة الزراعية لمزارعي الأرز، فلن يعمل ذلك عل خلق دخل إضافي للمزارع يزيد من مردودية مزرعته فحسب، بل سيشكل أيضا عامل حفظ للتربة من التدهور من خلال إدخال نظام الدورة الزراعية ( Rotation Agricole ) التي هي تقنية زراعية في غاية الأهمية لا زلنا نهملها ونعتقد أن التربة ستظل قادرة على الإنتاج في غياب إدارتها وحفظها من التدهور من خلال تبادل زراعة المحاصيل المختلفة في المساحة الواحدة من موسم إلى آخر.
أيضا فإن الأراضي التي أصبحت مروية اليوم بمياه قناة آفطوط، وتلك المساحات الشاسعة التي سيتم مدها بالماء عن طريق قناة لبراكنه، وكذا الأراضي المحاذية للسدود كلها أراض بالإمكان تخصيص مساحات منها لزراعة الأعلاف، بل إن السهول الممتدة في مناطقنا الشمالية بولايات إينشيري وآدرار وتيرس زمور هي مساحات خصبة بكر وصالحة لزراعة مختلف أنواع المحاصيل بما فيها الأعلاف الخضراء إذا توفرت لها المياه من النهر عبر مشروع مياه الشمال الذي يجري الإعداد له.
وقد صدق وزير الإقتصاد والمالية في إحدى مداخلاته عندما قال، وهذا ما كنا دوما ننبه إليه، إن ثروتنا الحقيقية هي عنصرنا البشري المؤهل، ومياهنا وأراضينا الزراعية، وثروتينا الحيوانية والسمكية.. وليس النفط ولا الغاز اللذين لم تحقق عائداتهما الريعية السهلة في البلدان والمجتمعات المشابهة لنا سوى البطر والبذخ والكسل والبطون العامرة والأجسام الخاملة والعقول الخاوية ومظاهر التطور الظاهري الكاذب! وقد أدركت تلك البلدان ذلك الواقع وبدأت تكيفُ اقتصاداتها وتنوع مصادر دخلها، بل وأدركناه نحن هنا في بلدنا على موازنتنا ونمو اقتصادنا عندما هوت أسعار خامات الحديد في الأسواق العالمية.. فلتكن عائدات الغاز أو أي مورد ناضب آخر غيره في خدمة وتطوير وتثمين قطاعات ثروتنا الحقيقية المتجددة، وتأهيل وتكوين أبناء بلدنا لصُنع ومواكبة ذلك التطوير.