فيديو

خطاب الرئيس ولد الغزواني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

إعلانات

تابعنا على فيسبوك

صحيفة جريدتي

جريدتي

الأسوة الحسنة – بشارة النبي لأهل المدينة

أحد, 14/07/2019 - 14:04

ما نزال مع رسول الله r ساعة وصوله إلى المدينة مهاجراً إليها من مكة ونتلمس بعض أقواله وأفعاله ومواقفه التي تتجاوز الزمن الذي وقعت فيه وتمتد إلى يوم القيامة حيث تشكل أسوة للمسلمين يسرون على منهاجها ويتبعونها (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب) وفي الحلقة الماضية عرضنا كيف استقبل المسلمون من أهل المدينة الرسول r ذلك الإستقبال الحافل الذي دلّ على شدة فرحهم لملاقاة نبيهم حيث كانت المدينة قد سبقت مكة في إقامة الدولة والجمعة والجماعات. وقد سُرّ الرسول r بما شاهده في المدينة من تكامل استعداد المسلمين وقيامهم بالعبادات الثقيلة وهي عبادات الأركان من صلاة وزكاة وجماعة وبعد هذا الإستقبال حيث إنجفل (أسرع) إليه الناس وفرحوا بمقدمه أراد r أن لا يضيع الوقت وأن ينتقل بهم من العبادات الثقيلة إلى مجموعة من العبادات الجميلة التي يترطز جمالها في فقه أدائها وجزيل جزائها ولذا بادر r فقال لهم: “أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلأوا الأرحام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام”. قارن بين هذه العبادات الجميلة والعبادات الثقيلة لا شك أن نوعية الأثر والأداء والجزاء يوم القيامة تجعل هذه المجموعة عبادات جميلة أثرها جميل وجزاؤها جميل عظيم. هذه العبادات التي نقلها الرسول r إليهم جميلة الأداء وجميلة البناء وجميلة الجزاء. وقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن اثنتين من هذه العبادات الأربع (إفشاء السلام وإطعام الطعام). وبيّنا كيف أن مسلمان يلتقيان فيسلم أحدهما على الآخر ويبتسم أحدهم للآخرة لا يفترقا إلا وقد غفر لهما، تسلم على من تعرف ومن لا تعرف وهذا يدل على أنه ليس في قلبك حقد وهو من جمالك أن لايكون في قلبك حقد على مسلم. ومن جمال البناء أن هذا السلام يشد أواصر البناء بين أفراد المجتمع، تخيل قريبة أو مدينة يسلم كل أهلها على بعضهم البعض، أي جمال هذا في العلاقات بين البشر؟! إينما وجدوا يسلم بعضهم على بعض، أي جمال في بناء العرقة المتينة بين أفراد المدينة الواحدة؟. ثم جمال الجزاء الذي يغفر ذنوبك لمجرد سلام قد يستغرق ثواني أو دقائق جعل الله تعالى هذه العبادة آية في كتابه لجمالها (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) النساء). وتحدثنا عن فضل هذه العبادة والجزاء الذي يعطيه تعالى لمن يسلّم. السلام عبادة جميلة في أدائها وفي بنائها وفي جزائها.
وتحدثنا عن إطعام الطعام في ساعة المسغبة كم هي عبادة جميلة أن تؤثر غيرك بطعامك وكلاكما جائع (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا). من الذي يؤثر غيره بطعامه وطعام أولاده؟ وتحدثنا عن فضل هذا. (فلا اقتحم العقبة) ثلثا الأمة الإسلامية اليوم يكادون يموتون من الجوع وبعض الشعوب تبيت على الطوىفي مثل تلك الساعة لك طعام يكفي عيالك وجبة واحدة فتعطيه لمن هو أشد منك حاجة يشرف أن يموت وأنت ما زال فيك شدة. أي جمال هذا من حيث السخاء والكرم والأثرة؟ فالسخي حبيب الله والسخي أعظم من الكريم فالكريم يعطي وعنده كثير أما السخي فهو يعطي ولا يملك غيره. والسخي خلق الله الأعظم (تجاوزوا عن ذنب السخيّ). إطعام الطعلم عبادة سخية عند الأداء كما قال r للصحابي “ضحك الله من صنيعكما” يذكر الله تعالى هذا الموقف في الملأ الأعلى. وتحدثنا عن هذه العبادة العظيمة التي تملأ الإنسان سعادة وتشد أواصر المجتمع
بقيت عبادتان من مجموعة العبادات الجميلة التي إنتقل الرسول r بأهل المدينة من إتقانهم للعبادات الثقيلة إلى هذه العبادات الجميلة التي هي أسهل من تلك المجموعة لكن أجرها عظيم لأن فيها طابعاً إختيارياً والعبادات التي تؤديها باختيارك أجرها أعظم من التي تؤديها فرضاً عليك كالأركان “لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه” ليس مما هو مفروض عليه.
صلة الأرحام:
لة الأرحام عبادة ثالثة من العبادات الجميلة التي نراهل جميلة في أدائها. تأمل أنت تذهب إلى بيت أحد من أقاربك فجأة تزوره وبيدك هدية وتعطيه مالاً يحتاجه أو تقف معه في مناسبة سعيدة أو حزينة يجدك أقاربك معهم. تأمل هذا الجمال الذي يشيع في الأسرة يتحلق حولك أقاربك ويحترمونك ويفرحون بوصلك لهم. هذه عبادة جميلة في أدائها تشيع الفرحة في نفوس الأقارب والأرحام كما تشيع الفرحة لما يجدونك عندهم في أفراحهم وأحزانهم وحاجاتهم. وهي عبادة جميلة في بنائها كيف تبني أواصر الأسرة لأن الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع وما من أمة تحظى بأسرة متماسكة قوية كهذه الأمة وما من إنسان غير مسلم لا يجد حوله أحد من أرحامه ما إن ينطق الشهادتين حتى يصبح له عائلة. وقوة الأسرة من خصائص هذه الأمة لذا صلة الأرحام تشد هذا البناء وتمعن في بنائه على أحكام وتناسق يجعل هذه الأمة أمة واحدة في أنسابها وعاداتها وعباداتها نظراً لقوة أواصر الأسرة بينها. وجمال آثار هذه العبادة في قوله r: ” من سرّه أو ينسأ له في أثره وأن يزاد في رزقه فليصل رحِمه” من أراد أن يطول عمره وتويد أيامه والعمر ليس ثابتاً والعمر عمران أجلٌ مسمى عند الله وأجلٌ هو الذي نعيشه (هو الذي قضى أحلاً وأجل مسمى) الأجل الذي عندك يزيد وينقص لذا رب العالمين يعاقب المنتحر لأنه أنقص عمره ويجيز الشهيد لأنه تبرّع ببقية عمره لله عز وجل وقتل القاتل لأنه أنهى حياة إنسان لم يحن بعد وقت وفاته ولو أن الأجل ثابت فلماذا يُقتَل القاتل؟ فالأجل يزيد وينقص وهناك أسباب تطيل العمر كما في الحديث الرشيف منها أن تصل رحمك. فصلة الرحم كبِرّ الوالدين من العبادات التي ترى أثرها سريعاً وهناك عبادات لا ترى أثرها إلا يوم القيامة. وما من عمل أسرع إلى البر من صلة الرحم وما من عمل أسرع بالعقوبة من قطع الرحم. تأمل فمن حولك من جيران كم من قوم يصلون أرحامهم مرزوقين معافين أعمارهم طويلة لمجرد كونهم من الواصلين لأرحامهم والعكس صحيح ترى إنساناً مبتلى في صحته ورزقه وأولاده وتبحث عنه فتجده مبتلى بقطع الرحم أو عقوق الوالدين. فصلة الرحم وبر الوالدين من العبادات التي ترى آثارها سريعاً.
حديث آخر: ” تعلّموا من أنسابكم نا تصلون به أرحامكم” كل مسلم مأمور بأن يعرف نسبه ليعرف أرحامه فإن صلة الرحم مفرحة في الأهل ومغفرة للذنب ومثراة في المال ومنسأة في الأثر. على كل مسلم أن يعرف أصله وعشيرته من جهة أمه وأبيه لأن أقارب الأب والأم هم أرحامك تعرفهم لكي تصلهم لأن صلة الرحم في هذه المكانة الرفيعة. إذا زرت قريباً من أقاربك تشعر بالسعادة وهم يستقبلونك بشكل جميل ويلتفوا حولك فالأداء جميل والبناء جميل لأن صلة الأرحام تشد الأسرة بعضها ببعض وفي الغالب هناك خلافات بين الأرحام لكن بهذه الزيارات تقضي على كل خلاف مثل السلام قد يكون بين المسلمين شيء ما إن يسلّم أحدهما على الآخر حتى يزول الخلاف.
” من سرّه أن يزاد في أجله وأن يربو ماله وأن يُدفع عنه ميتة السوء فليصل رحمه” ويقول r: “إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال وما نظر إليهم مذ خلقهم غضباً عليهم، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال بصلتهم أرحامهم” وفي رواية بم ذاك؟ يعني بيت أو اثنين بيوتهم عامرة بالناس تزورهم محبوبين بين الناس ينجح لهم أي عمل من أعمالهم وتنمو أموالهم ولم ينظر الله تعالى لهم ولا مرة نظرة غاضبة لأن من يرتكب ذنباً ينظر الله تعالى إليه بغضب إلا واصل الرحم. أي عبادة جميلة هذه؟ ما أجمل أن تذهب لزيارة رحمك من جهة أمك وأبيك بهذه الزيارة ولو في الشهر مرة يصلك كل هذا الخير ويزيد رزقك ويطول عمرك ولا ينظر إليه تعالى بغضب أبداً.
هذه عبادات من أجمل العبادات وأجزاها يوم القيامة كأنها إكرام لمن يؤدي العبادات الثقيلة (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) رب العالمين جازام أنك أديت العبادات الثقيلة بهذه العبادة الجميلة: تسلّم على واحد وتعطي أحدهم لقمة أو رغيفاً. وفي الأثر أن رجلاً من بني إسرائيل عبد الله ستين عاماً ثم أمطرت الدنيا واخضرت الأرض فخرج يتمتع بهذا الجمال فأغوته امرأة بغيّ وراودته عن نفسه إلى أن زنا بها فوزنت الزنية بعبادة ستين عاماً فرجحت الزنية. هذا الراهب أفاق من مصيبته واستغفر وبكى وتاب ومرّ به مسافر جائع فسأله طعاماً والراهب كان له رغيف واحد فقط فأعطاه إياه فوزن الرغيف بتلك الزنية فرجح الرغيف. رغيف خبز لجائع عادل هذه الزنية، هذا من إطعام الطعام على حبّه. العالم الإسلامي كله اليوم في مسغبة فإذا وصل مالُك إلى عائلة ولو بما يكفي لقمة طعام واحدة فأنت رابح. أي جمال في هذا الأداء والبناء والجزاء “إن الله يربي لكم اللقمة”.
جعل الله تعالى صلة الرحم تطفئ الشحناء والبغضاء لذا من أعظم العبادات الإحسان أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك. قالوا: يا رسول الله أي الصدفات أفضل؟ قال: على ذي الرحم الكاشح. رحمٌ يكرهك وغاضب منك وهذا موجود في أرحامنا عندما تعصيه صدقة تكون أفضل صدقة في حياتك لأنك بهذا أطفأت البغضاء بينك وبينه تلك البغضاء التي لا تجعل صلاتكما ترتفع فوق رأسيكما شبراً. بهذه الزيارة أو الصدقة تطفئ الشحناء والبغضاء. يقول تعالى: أنا الله، أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها إسماً من إسمي من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته. عندها يحكم لك بالجنة يوم القيامة، على الصراط محكمة أخيرة وهو ما هو موقفك إلى الرحم؟ رب ذاهب إلى النار يفكه صلة الرحم فيذهب إلى الجنة وربّ ذاهب إلى الجنة يردّه صلة الرحم إلى النار (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)) كل هذا لقطع الرحم. والكلام في قطع الرحم كثير. النبي r لما سُرّ بذها الإستقبال الحافل في المدينة ورأى أنهم سبقوا أهل مكة بالعبادات الثقيلة أعطاهم هذه العبادات الخفيفة.