بنيان مرصوص

أربعاء, 11/09/2019 - 00:04

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله مساءكم بكل خير. لا زلنا في الحديث عن البنيان المرصوص ونحن في حديثنا عن البنيان نريد أن نصنعه من جديد نريد أن نبنيه نريد أن نتعلم كما اتفقنا في البداية كيف نكون من أنفسنا لبِنات صالحة لأن توضع وترصّ في البنيان المرصوص الذي أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون عنواناً لهذه الأمة، فنحن أمة البنيان المرصوص وبدون بنيان مرصوص لن يكون هناك أمة ولن يكون هناك وجود حتى للفرد المسلم حتى للبِنة الواحدة. اليوم حديثنا عن شيء غاب كثيراً عن واقعنا، بعناه من زمان زهدنا فيه على الرغم من أهميته ومحوريته في واقع البنيان المرصوص ليس فقط للأفراد أو الجماعات أو للأمة وإنما حتى للإنسان في ذاته وفي نفسه، ذاك هو خُلُق النصيحة. النصيحة التي أصبحت اليوم كأنها شيء من الماضي، شيء عفا عنه الزمن كما ذكرت قبل قليل بعناه من زمان. ولماذا بعناه؟ ولماذا زهدنا فيه؟ ولماذا أصبحنا اليوم عندما نتكلم عن كلمة النصيحة تدقّ الأجراس لمجرد سماعها؟ لماذا؟ لماذا أصبح عندنا نوع من الحساسية المفرطة تجاه كلمة نصيحة؟! تجاه كلمة تناصح، لماذا؟! ولكن دعونا قبل أن نجيب عن هذه الأسئلة دعونا بداية نحاول أن نرى ما هي أهمية النصيحة في ديننا، هل هي مهمة فعلاً؟ إذا أردنا أن نعرف أهمية النصيحة فقط نقلب في صفحات القرآن العظيم الذي نقرأ ونتلو خاصة في هذه الأيام والليالي في رمضان وتدبر وتأمل معي كم مرة في رسالة الأنبياء كل الأنبياء تذكر هذه العبارة (وأنا لم ناصح أمين) (أنصح لكم). النصيحة رسالة الأنبياء، النصيحة هي الفريضة والأمر الذي أوجبه الله سبحانه على أنبيائه، دعوة الأنبياء، كل الرسل جاؤوا بالنصيحة لأقوامهم، بالنصيحة لمن حولهم ومهما كلفتهم النصيحة من عناء وبذل جهد وبذل أموال وبذل أنفس، هم من البداية وهبوا أنفسهم نصيحة لله ولرسوله وللرسالات السماوية. النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول في حديث رائع كلنا نعرفه كلنا نردده كلنا قد حفظنا حروفه “الدين النصيحة” لكن السؤال هل حفظت هاتين الكلميتن بالفعل في حياتي وفي سلوكي؟! حفظتهم باللسان أرددهم وأقولهم في أي وقت ولكن يا ترى ما مدى حفظي لهاتين الكلمتين في تعاملي مع الناس، في تعاملي مع إخوتي، في تعاملي مع جيراني، في تعاملي مع أسرتي، مع أقاربي، مع زملائي في العمل، مع المسلمين جميعاً حتى مع من لا تربط بيننا وبينهم صلة مباشرة؟!!. “الدين النصيحة” لله ولرسوله وللمؤمنين جميعاً ولأئمة المسلمين بطبيعة الحال. إذن الدين النصيحة الدين كل الدين قائم على النصيحة. والنصيحة هذه الكلمة الحبيبة اللطيفة حتى في حروفها النون والصاد والحاء هذه الكلمة المحببة والحبيبة لا تقوم إلا على إرادة الخير للمنصوح – المنصوح الشخص الذي أوجّه له النصيحة- والعجيب أن النصيحة لأنها فنّ لا يمكن أن يؤدّيها الإنسان بطريقة سليمة وتؤتي ثمارها بشكل صحيح إلا إذا كان الناصح صادق مع نفسه ناصح لنفسه أولاً بمعنى آخر لا يمكن أن تؤدي النصيحة ثمار ولا أن يجني الإنسان من ورائها وهو يخالف في حياته وفي فعله ما يدعو الناس إليه وما ينصحهم به. النصيحة تربيني أنا، تربي الناصح قبل أن تأتي إلى المنصوح لتؤدي له النصيحة. صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ماذا؟ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وتأملوا معي إذا أردنا أن نعرف منزلة النصيحة انظر إلى مرتبة مساواة النصيحة مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. معنى ذلك أن النصيحة ليست من الكماليات، ليست من النوافل، النصيحة فريضة ولكنها فريضة غابت عن أذهاننا غابت عن واقعنا لصالح ممارسات خاطئة اعتدنا عليها حتى مع أنفسنا. الحسن يقول كلمة رائعة يقول: ما زال لله تعالى نُصحاء ينصحون لله في عباده وينصحون لعباد الله في حق الله ويعملون لله تعالى في الأرض بالنصيحة أولئك خلفاء الله في الأرض. مسؤولية كبيرة! ودعونا نبدأ خطوة بخطوة كما تعودنا دائماً.
إذا كانت النصحية بهذه الأهمية في ديننا لماذا عابت عن واقعنا؟ لماذا أصبحت لدينا حساسية مفرطة تجاه النصيحة سواء من قبل الناصح أو من قبل المنصوح الذي تؤدى وتسدى إليه النصحية؟ لماذا؟ لماذا أصبحت أشعر أنه إذا أردت أن أنصح أحداً أو أحداً ينصحني كأنه يوجه لي اتهاماً؟! وبالتالي أول شيء أفكر فيه قبل أن أفكر في النصيحة كيف سأرد عليه؟! كيف سأوجه له سهام نقدي اللاذع؟ كيف سأنتقم وأثار لنفسي منه؟! كيف يتجرأ على أن ينصحني؟! هذه بعض السيناريوهات التي تدور في أذهان الكثير منا حين توجه إليهم النصيحة وبالتالي أسلم طريقة: لا أنصح ولا أحد ينصحني! أمشي بجانب الحائط كما يقال فلا أنا أنصح أحد ولا أقبل النصيحة من أحد ولبئس بها من ممارسة! ممارسة أبعد ما تكون عن تعاليم ديننا الحنيف. حتى نعرف فقط إلى أين نحن في حياتنا اليوم ابتعدنا عن ديننا؟ ديني يقول الدين النصيحة وواقعي يقول ابتعد عن النصيحة. كيف أوازن بين الاثنين؟ لماذا لم نعد نستسيغ النصيحة؟ ما الذي حدث وقلب الموازين في حياتنا؟ دعونا من البداية نبدأ بالمواحهة. تغيرت النفوس من الداخل أصبح لدينا نوع من الازدواجية في التعامل حتى مع أنفسنا، هناك نوع من المجاملة حتى مع نفسي أنا أجامل نفسي أنا أُداهن نفسي. وتأمل وحاول أن تقارن بين الأمرين. المطلوب مني في حياتي أن أتّهم نفسي، أن أحاسب نفسي، أن ألتفت إلى نفسي فأوجّه إليها اللوم والتقريع والتوبيخ في بعض الأحيان إذا اقتضى الأمر، ليس من باب جلد الذات، لا، وإنما من باب التصحيح ولذلك نحن في ديننا قاعدة: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. إذن إذا كان الأمر هكذا ما الذي حدث؟ أنا ما عدت قادراً حتى على أن أنصح لنفسي فكيف سأوجه النصح للآخرين؟ بمعنى آخر أن علة الداء الذي نعانيه اليوم مع مسألة النصيحة أولاً أني لم أعد أعرف كيف أنصح نفسي لأني ما عدت أمارس النصيحة مع نفسي. إذا فعلاً أنا أمارس النصيحة مع نفسي أجِب على هذه الأسئلة: كم مرة تحاسب نفسك؟ كم مرة تجلس مع نفسك وتصدقها القول وتقول أن يا نفس أخطأت في حق فلان، دون أن يوجه لي أحد شيئاً، أنا بيني وبين نفسي: يا نفس اليوم أخطأتِ في حق فلان، اليوم فعلت كذا وما كان ينبغي أن تفعلي كذا، لو فعلت كذا لكان الأمر أفضل، حاولي أن تصححي، هذه نصيحة مع النفس تحتاج إلى صدق، تحتاج إلى مواجهة، تحتاج إلى شجاعة، تحتاج إلى نية صادقة مع الله سبحانه وإخلاص شديد. أحتاج فيها كذلك إلى مرآة – تكلمنا لا أدري في هذا البرنامج أو في برنامج آخر – تكلمنا عن المرآة ليس المرآة التي ننظر فيها إلى وجوهنا ونحسّن فيها من هندامنا وشكلنا ومظهرنا الخارجي ولكن مرآة ننظر فيها إلى سرائرنا نحسّن فيها السرائر التي محطّ نظر الله تعالى لي. أحتاج إلى مرآة فأين مرآتك؟ أين المرآة التي تنظر فيها إلى نفسك إلى عيوبك إلى داخلك فتنصح تلك النفس التي بين جنبيك؟ أنصح نفسي. هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية إذا بدأت النصح مع نفسي وإذا بدأت أصدق مع نفسي أبدأ بالمرحلة الثانية أنصح للآخرين، الدائرة القريبة من حولي، أهلي، ناسي، أسرتي، المحيط الذي أعيش فيه وفي وسطه، هؤلاء لهم حقوق عليّ عليّ أن أؤدي هذه الحقوق من حقهم عليّ أن أوجه لهم النصيحة ولكن قبل أن أوجه النصيحة عليّ أن أستحضر عدة أمور: أولاً الحب لهم هناك فارق شاسع أن أدم نصيحة من محِبّ إلى شخص يحبه لشخص يقدّره لشخص لا يرضى له أن يصدر منه خطأ أو أمر لا يليق وبين نصيحة جافة من مشاعر المحبة والأخوة والصدق. نحن نتكلم عن النصيحة الهادفة نصيحة المحبين النصيحة التي تبني وتقوم على أساس المحبة النصيحة التي تنمّي المحبة في الله، هذه النصيحة التي نحتاج اليون، نصيحة من نوع خاص قامة على المحبة وإرادة الخير للمنصوح له ولذلك ذكرنا في البداية قلنا جميع الأنبياء رسالتهم كانت النصيحة قائمة على المحبة (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ (93) الأعراف) (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) الأعراف) لماذا؟ قائمة على المحبة، محبة الخير للآخرين.
اليوم في حياتنا ودعونا نكون صرحاء مع بعضنا البعض أصبحنا نعجز في بعض الأحيان من أن نقول كلمة صدق مع من حولنا، مع الأسرة، مع أخي مع أختي مع أبي مع أمي مع ابن أخي مع ابنة أختي أصبحنا نرى الخطأ ولكننا لا نتكلم نلوذ بالصمت ولا أدري ما معنى هذه المفارقة لماذا نصمت حين يكون الكلام واجباً ولماذا نتكلم حين يكون الصمت واجباً؟!! مفارقات في حياتنا!! النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما نعلم في الحديث: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت”. لماذا نحن عكسنا الآية؟ لما لم يكون كلامي في معرض الخير أسكت ولما يكون كلامي في شيء آخر أتكلم أحياناً دون أن أنتبه بدون قصد؟! ربما واحد من الأسباب أني أصبحت أخشى غضب الآخرين، سخط الآخرين عليّ، أنا إذا نصحت أحداً من الناس سيثور عليّ لن يتقبل مني! هذه أبسط كلمة نقوله، لن يتقبل! ويمكن أن تسوء العلاقات وتصل حتى إلى حد القطيعة، ما الذي أوصلنا إلى هذه الدرجة؟ أنا لا أريد أن أقف طويلاً عند أسلوب النصيحة هذه نقطة مفروغ منها عليك أن تسلك وتنتقي أطايب أساليب النصيحة لأن النصيحة فنّ. وأذكر أني كنت في يوم من الأيام في دولة أجنبية لفت نظري عنوان كتاب The Art of Advice فن النصيحة كذا عنوان الكتاب يعلم الناس الأساليب التي يقدّمون بها النصيحة للآخرين. وأنا أقول ما أولانا نحن اليوم في ديننا دين الإسلام وسيرة حبيبنا صلى الله عليه وسلم الذي علّما آداب النصيحة بأرقى مستويات التعليم والتدريب، كيف غفلنا عن هذا النوع من الفنّ ولماذا غاب هذا النوع من الفنون في حياتنا وفي واقعنا؟
الخطوة التي نتحدث عنها في النصيحة للآخرين تحتاج مني أن أمتلك شيئاً من الشجاعة والصدق والمحبة والحكمة والانصاف والإحسان ولكي لا أطيل عليكم ولا أزيد في حجم الواجبات التي سنأخذها اليوم سأتوقف عند هذه النقطة وأترك لكم اليوم التطبيق الذي اتفقنا عليه: التطبيق أن أبدأ وأنصح نفسي أنا. غداً إن شاء الله سنواصل النصيحة مع من حولي ولكن قبل أن أنصح من حولي نريد الليلة أن نتفق أن ننصح أنفسنا. خذ نصف ساعة على سبيل المثال، عشرين دقيقة لا بأس، جيد، المهم أن أجلس مع نفسي وأتناصح معها وأرى ما الذي تقبل مني النصح وما الذي لا تقبله؟ وإذا قبلت لماذا قبلت وإذا لم تقبل لماذا لم تقبل؟ وأترك عني وأنزع عني رداء النفاق والمداهنة والمجاملة مع نفسي أولاً لأن هذا الرداء إن لم أنزعه من نفسي ما استطعت أن أنزعه مع التعامل مع الآخرين. فلنتفق على هذا الواجب ولنقُم به الليلة بإذن الله ثم نُكمل في اللقاء القادم. أترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.