رؤى لتطوير المنظومة المحظرية (4) / باب أحمد محمد القصري

أربعاء, 11/09/2019 - 00:05

لا يزال الحديث موصولا عن الرؤى والمقاربات المتعلقة بتطورير المنظومة المحظرية.
وهذه حلقتنا الرابعة:
 الثابت والمتغير في الدرس المحظري:
الناس حيال المنظومة المحظرية طرفان وواسطة: جامدون يحسبونها لا تزال ظعينة "على ظهور العيس"، بدوية تلقائية تلقينية متنقلة، يقاومون الضبط ويتوجسون من التحديث خيفة، وفي مقابل هذا الجمود ينشط متحررون من الثوابت، مأزومون مع الدين وما يتصل به، يرون في الدرس المحظري رأي الجامدين وإن اختلف القصد، همهم النيل منه وتشويه صورته.
وبين الطرفين واسطة عقد هذا المجتمع، ممن يحلمون بــ"المحظرة المقيمة"، ويدعون لتوظيف المناهج والوسائل الحديثة بما لا يتعارض وخصوصية النموذج، ويعملون على نقلها من "البداوة" إلى التنظيم والتحديث، ومن "التلقين" إلى "التكوين" وإكساب الملكات والمعارف اللازمة لمواجهة متطلبات الحياة المعاصرة، ومن "الفردية" إلى "المؤسسية" وما تقتضيه من هيكلة وتخطيط للموارد ومتطلبات الاستمرار.
إن مكمن الخلل عند الجامدين والمنبتين – على حد سواء - عدم التفريق بين الثابت والمتغير، فليس شرطا للدرس المحظري أن يحتفظ بتلقائية البداوة، لأنها ليست من صفاته اللازمة، وإنما كانت استجابة لظروف النشأة، أتاحها عامل المرونة العالية، وهذه المرونة الكبيرة والقدرة على التكيف مع ظروف البيئة هي التي تبعث على الأمل، وتبشر بغد مشرق لمحظرة رائدة، متصالحة مع واقعها، مستجيبة لمتطلباته وإكراهاته.
و"التلقين" كذلك صفة عارضة فرضتها حياة الانتجاع، وغلبة الثقافة الشفاهية وعلم الصدور، وبما أن الواقع تغير، واحتل علم السطور فيه حيزا كبيرا، فقد أضحى التوازن بين الحفظ والفهم وصناعة الملكات شرطا للتأسيس المحظري السليم.
إن تعميق النقاش حول الثابت والمتغير في الدرس المحظري يعتبر حجر الزاوية في عملية التطوير، ولا تكفي في معالجته هذه التهميشات العجلى، لأن هدفها تحريك المياه الراكدة، وإثارة اهتمام الفاعلين المحظريين.
ثقافة طالب المحظرة:
حاز صاحبي حظا وافرا من علوم القرآن والسنة والفقه والأصول، واللغة والأدب وتاريخ العرب وأيامها..  أنفق زهرة شبابه في الدرس المحظري حتى أنهى جل مقرراته، وله في شتى الفنون مطالعات، اتسعت بها مداركه ورق طبعه، وحاز شروط الفتوة، وفوق هذا كله كان حسن الخلق موطأ الأكناف.
لكن هذا الفتى الألمعي ظل رهين عقدة نقص لا تفارقه، لأنه لم ينتظم في فصول الدرس صغيرا، فكنت أقول لصاحبي: "لم يفتك شيء!.. وليس في خريجي التعليم النظامي من يوازيك أو يدانيك"، لكنه لم يحمل كلامي يوما محمل الجد، وكيف يصدق أن ربع قرن من التعليم – الذي فاته - لم يك شيئا!.
هذه الحالة – وحالات كثيرة عايشتها – ولدت لدي قناعة بضرورة التحاق الأبناء بالمدارس النظامية، فالشعور بالحرمان وفوات فرصة التعليم المبكر قد يخلق آثارا نفسية عميقة، وقد يورث عجزا عن مواجهة شبهات خصوم الإسلام، بل والتمظهر أحيانا بالعصرانية والتحرر دفعا للتهمة، كما قد تنجر عنه حالة من العداء أو التنكر للماضي المحظري، ولا يصار إلى الترجيح بين المحظرة والمدرسة إلا إذا تعذر الجمع.
وإن تعذر الجمع، كان على المنظومة المحظرية أن تعتني بالبناء الثقافي المعاصر لطلابها، فلكل عصر ثقافة ولسان، من لم يحزهما عاش خارج عصره، وإن العلم الشفهي وحل المتون، والرأي الواحد والفتوى الحاضرة، لم تعد - وحدها - كافية لتخريج الطالب المؤهل لمواجهة التحديات المعاصرة، وتقديم الإسلام ورؤيته للإنسان والكون والحياة.
ويلزم لتحقيق هذا الهدف وضع خطط وبرامج ثقافية تراعي المرتكزات التالية:
إكساب الطالب القدرة على البيان الشرعي (بالتأسيس العلمي الشامل المتوزان)،  والبيان الثقافي (معرفة الواقع وما يعتلج فيه من مناهج وأفكار، والإلمام العام بالعلوم الاجتماعية والإنسانية – واكتساب مهارات وأدوات الاتصال والتأثير)، ولأداء هذه المهمة الكبيرة لا مناص من الاستفادة الواعية من ذوي الخبرة خارج المنظومة.
مضى عهد كانت فيه المحظرة تواجه بيئة مغلقة، ومجتمعا قريب الفطرة، وأضحت في معترك تتصارع فيه مؤثرات كثيرة، يلزم حصرها عمليا، وتثقيف الطالب بها وبأدواتها، حتى يتعامل معها بوعي، ويقدم رسالته بالوسائل المناسبة، ويحسن إدارة المواقف ومد الجسور مع المخاطبين.
كما يجب أن تتضمن الخطط الثقافية برامج للمطالعة والقراءة الحرة، تُتَخير لها المراجع المناسبة، مع الاعتناء ببناء مهارات الكتابة والتحرير، والبحث والمناظرة، والخطابة والإلقاء، وسيكون من المهم إشراك العاملين في حقل التعليم والثقافة والإعلام.
لن يكسب الطالب المتقدم القدرة على البيان الشرعي ما لم يتم تدريبه على الصناعة الحديثية والفقهية والأصولية، وهي مرحلة لاحقة لحفظ المتون على الطريقة المحظرية (المقرر / أو المتن الواحد)، وفي هذه المرحلة المتقدمة يحسن بالطالب جرد المطولات في شتى الفنون، والانتجاع في دواوين الفقه العالي، لأنها أصول العلم وأمهاته.
يجب أن تعيد المحظرة التوازن بين "الوسائل" و "الغايات"، حتى لا يُفني طالب العلم عمره في تحصيل علوم الآلة دون أن يصل للغاية منها، يحفظ متون النحو ويستظهر قوانينه، لكنه لا يطالع التراث الأدبي ودواوينه، ويهمل ملكات الكتابة وتقنياتها، فيعجز عن الإحسان في البيان والتعبير عن مكنونات النفس، أو يحفظ ألفيات الأصول ويبقى أبعد الناس عن الاستنباط والفقه في الدين، فيكون كمن يقيم الميزان، ويبالغ في العناية به، لكن بضاعته مزجاة تسري خللها العيوب الظاهرة والخفية.
آن للدرس المحظري أن يتخلص من داء الإغراق في "النظم"، إذ يكفي من "حمار الشعر" ما تقرر من متون وشواهد، فليس شرطا للفتوة حشر الكلام في تفاعيل الخليل، خاصة لمن لا يملك سحر البيان، وفي النثر مندوحة عن الشعر، وقد كان النظم ضرورة لقيد الأوابد في المحظرة الرُّحَلة، أما وقد استقر بنا المقام فمن المناسب أن نعتني بالكتابة النثرية واللغة الحية، التي تنتشر أفقيا ويفهمها الجمهور العريض، ويبقى حفظ جميل الشعر ضرورة لفتق اللسان العربي، وأهم خصائص الدرس المحظري، على أن تكون المختارات من عصور وبيئات مختلفة.
مطالعة طلاب المحظرة للمقررات المدرسية، ومداخل العلوم ومقررات المبادئ الجامعية، لتتشكل بذلك خريطة ذهنية لكل فن وعلاقته ببقية الفنون.
لا مناص من الاهتمام بجوانب التربية والضبط السلوكي، خاصة مع كثرة وسائل الإفساد في أيام الناس هذه، فالعلم - كما قيل - يهتف بالعمل، وسنفرد هذا المطلب في محور مستقل بإذن الله.