روضة المؤمنين

أربعاء, 09/10/2019 - 00:16

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾ المؤمنون)
جعلنا الله من المؤمنين الصادقين. هذه السورة تسمى سورة المؤمنون وهذه الصفات صفات وصف الله بها المؤمنين فقال (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) نلاحظ أنه استخدم أولًا فعل الفلاح وكلنا نطلب الفلاح والنجاح والنجاة في الدنيا والآخرة. الله سبحانه وتعالى يشهد ويبشِّر المؤمنين بأنهم قد نجحوا وأفلحوا وقال (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) عرّفهم بالألف واللام يعني قد أفلح المؤمنون كاملو الإيمان ثم أراد أن يقرّب صفات المؤمنين حتى نقتدي بهم فقال (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) لنأخذ هذه الصفات واحدة واحدة:
أول صفة قال سبحانه وتعالى (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ما معنى الخشوع في الصلاة؟ أن الإنسان يصلي بين يدي الله عز وجل ولا يرى إلا الله، خشوع بوقوفه أمام الله سبحانه وتعالى، الخشوع فيه معنى الطمأنينة والسكينة والخضوع والتواضع بين يدي الله سبحانه وتعالى ولا يرى إلا الله سبحانه وتعالى فجعل من أهم صفات المؤمن الصادقالخشوع في الصلاة. ولو نظرنا في حالنا اليوم لوجدنا أننا نعاني في هذه الصفة وأن الكثير من المسلمين ومن المؤمنين مفرطون في الخشوع في الصلاة وإنما يصلي الصلاة ويريد أن ينتهي منها يدخل إليها متأخراً ويخرج منها مبكراً وكأنه كان محبوساً في الصلاة في حين أن الله سبحانه وتعالى عندما وصف المؤمنين قدّم صفة الخشوع في الصلاة على كل الصفات مما يدل على أهمية هذه الصفة وأن الصلاة التي لا خشوع فيها هي صلاة لا روح فيها فلا بد أن يعي المسلم هذه الحقيقة وأن يوطن نفسه وإنما كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، من وطّن نفسه على الخشوع وأخد بأسبابه، فمن أسباب الخشوع التبكير إلى الصلاة يعين على الخشوع لأنك تدخل في جو المسجد تأتي مبكراً تصلي في الصف الأول وله فضل تقرأ قبل الصلاة تصلي النوافل قبل الصلاة فإذا قامت صلاة الفريضة تكون مرتاحاً نفسياً ومتهيئًا للدخول في الصلاة. والإنسان يبحث عن الراحة النفسية عندما تجد بعض الناس يقول أنا غير مرتاح نفسياً وأكون مشغولاً بالجوّال ومشغولاً بكذا نقول الله عز وجل جعل الصلاة هذه حتى ترتاح فرصة تغلق كل شيء وأنت معذور إن اتصل عليك أحد ولم ترد عليه فأنت معذور لأنك كنت تصلي والروح ترتاح لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم أرحنا بها يا بلال، هناك راحة نفسية ستكون كما أن الإنسان يرتاح عندما يأكل ويشرب ويتغذى أو ينام الروح تحتاج إلى الراحة فلماذا تحرم نفسك من هذه الراحة التي توجد في الصلاة؟!
الصفة الثانية من صفات المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) نحن اليوم نعاني من كثرة اللغو، الكلام الذي لا نفع فيه، الكلام الباطل، تقرؤه في الانترنت في وسائل التواصل، في المجموعات البريدية، في الشات التي في القنوات في مجامع الناس وفي مقاهيهم أصبح لدينا كمية من اللغو ربما لم يُسبق إليها لكثرة وسائل التواصل بين الناس زالله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين في هذه الآية فقال (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) كأنهم إذار رأوا لغواً أو جلسوا في مجلس فيه لغو أعرضوا عنه تركوه قاموا عنه بذلوا كل جهد في سبيل البعد عنه وتغييره إن استطاعوا فهذه صفة من الصفات التي ينبغي على المؤمن أن يتخلق بها: البعد عن اللغو، احفظ لسانك. مع وسائل التواصل الاجتماعي فيه تعجل في الحكم على الآخرين والوقوع في اللغو بسهولة أسهل شيء أن تجعل الناس يقعون في أعراض بعضهم البعض وفي اتهام الآخرين فإن كنت حريصاً على إيمانك فأعرض عن هذا اللغو وانشغل بما هو مفيد وما هو مؤثر انشغل بالهدف الذي لديك عن اللغو والحديث الذي لا فائدة منه.
في هذه الآيات في أول سورة المؤمنون كيف أن الله سبحانه وتعالى مزج بين الصفات، تجد صفة عبادة من العبادات (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ثم الصفة التي بعدها أخلاق (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ثم في الصفة الثالثة (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) هذه ركن من أركان الإسلام الزكاة، الصلاة، وهذه تؤكذ كلمة سبق أن ذكرتها للدكتور عبد الله دراز وللدكتور عبد الستار فتح الله سعيد يقول: الذين يظنون للأخلاق في الإسلام على أنها مسألة جانبية لا يفهمون الإسلام وإن الأخلاق جزء أساسي من الإسلام، وهذه الآيات تدل على ذلك حيث مزج بين القضايا العبادية وأركان الإسلام وبين الأخلاق قال (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وقال (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) وجعل بينها (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) مما يدل على أنه لا ينفع أن تكون خاشعاً في صلاتك وأنت تنغمس في اللغو وأن تؤدي الزكاة وتغتاب الناس فهنا يكون انفصام نكد بين التطبيق وبين التنظير كيف تزعم أنك مؤمن وأنت تقع في عرض أخيك؟! وأنت تقع في اللغو؟! اللغو هو ما لا فائدة فيه من الكذب والبهتان والغيبة والنميمة وكل ذلك.
في قوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) إشارة إلى فعل، أن دفع الزكاة ينبغي أن يكون المسلم حريصاً عليه ولا يتهاون فيه وأن هذا حق أوجبه الله تعالى عليك في المال ليس لك فضل في إخراجه وإنما يجب أن تبادر فيه.
الصفة الثالثة وهي خُلُق من الأخلاق فقال (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾)  تحدثنا في قوله سبحانه وتعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) آل عمران) الله سبحانه وتعالى قد فطر الإنسان على حب النساء وعلى حب الشهوات وفطر النساء على حب الشهوات من الرجال لأن الحياة لا يمكن أن تتكامل إلا بذلك ولا يمكن أن يستمر الجنس البشري إلا بهذا ولكن الله سبحانه وتعالى هذّب هذه الشهوات فقال سبحانه وتعالى (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾) من ابتغى وراء ذلك من الوقوع في الفواحش والزنى والعلاقات المحرّمة فأولئك هم العادون المعتدون الذين جاوزوا ما أحلّ الله إلى ما حرّم الله سبحانه وتعالى ودلّ على أن هذا ليس من صفات المؤمنين وأن من يقع في هذه الفواحش ويستمرئها ليس بمؤمن ولم يقل فمن ابتغى الزنا أو غيره وإنما قال (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) أي كل ما كان وراء ذلك.
أيضاً في قوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) لاحظ في مزجه سبحانه وتعالى بين هذه الأخلاق وتقديم بعضها على بعض لحكمة فالله سبحانه وتعالى هنا بعد أن ذكر الصفة الأخلاقية من صفات المؤمن وهي ما يتعلق بحفظ الفرج وكف النفس عن هذه الشهوات لأن المجتمعات غرقت في الرذيلة بسبب تركها العنان لهذه الشهوة فوقعت في الرذيلة ثم جاء بعدها قوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) وأنه من أوجب الواجبات على المؤمن أن يحفظ العهد والميثاق وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم بهذا المعنى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ (1) المائدة) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا (91) النحل) لا بد من حفظ العهد وحفظ الأمانة وأن الخيانة والإخلال ونكث العهد ليست من صفات المؤمنين أبداً ولذلك الله سبحانه وتعالى عندما ذكر الخيانة في القرآن الكريم قال في سورة الأنفال (وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ (71) الأنفال) قال العلماء لم يقل الله فقد خانوا الله من قبل فخانهم كما قال ويمكرون ويمكر الله، يخادعون الله وهو خادعهم،  لأن الخيانة صفة نقص وصفة ذم على كل حال فحتى الذي يخونك لا يجوز لك أن تخونه ولذلك عبّر الله سبحانه وتعالى بهذا التعبير فقال (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) يعني فانتقم منهم على خيانتهم. فالخيانة ليست من صفات المؤمن والحفظ للأمانة والحفظ للأمانة والحفظ للعهد هي من صفات المؤمن الصادق. والأمانة في كل شيء الأمانة في الصلاة، في الزكاة، في الحج، في العبادات، في وظيفتك، في أهل بيتك، في تربية أولادك فالأمانة مفهوم واسع كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فهذا المفهوم الشامل للأمانة ينبغي أن نجد ونجتهد في أن نكون أمناء مع أنفسنا قبل كل شيء والله عز وجل قال (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) العهود والمواثيق، بعض الناس للأسف الشديد لا يمثل له العهد شيئًا فإذا تعهد في أمر معين أو عقد معين وخصوصاً إذا اعتبر الآخر أقل منه أو أضعف منه أو لا يستطيع أن يشتكيه للقضاء أو إذا اشتكاه يُستبعد فعندما ينظر الإنسان إلى هذا الأمر فكأنه فقط يريد ما هو موجود في الدنيا ينسى أن الله عز وجل مطلع عليه وفيما كتب من عقد وفيما فعل من اتفاق وفقط هو في الآخر يقول له إذا أردت أن تشتكي اذهب واشتكي! خاصة في العقود التي بين أرباب العمل وبين الذين يعملون عندهم هناك تهاون جداً في هذه العقود وفي هذه المواثيق وفي هذه الأمانات ويظنون أنهم يحسنون صنعاً ويظن أنه عندما يستطيع أن يأخذ من هذا خمسمائة، يوفر من هذا العامل أنه قد أثبت ذكاء وفطنة وما علم أنه سوف يعود ذلك عليه عاجلاً أو آجلاً بالوبال وأن الخير كل الخير والإيمان والاستقامة عليه هي في الوفاء بهذه العهود وبهذه المواثيق.
في قوله سبحانه وتعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) فقدّم أول صفة قال (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وآخر صفة (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) ومثل ذلك في سورة المعارج قال (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)) وقال في آخرها (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)) إشارة إلى أن موضوع الصلاة ينبغي أن يكون أول وآخر وأثناء حياة المؤمن أنه هو من أولى أولوياتك وللأسف الصلاة اليوم هي من أكثر ما يتهاون به الناس، يذهبون إلى الإجازات فيظنون أن لديهم إجازة من الصلاة حتى أنني أرى بعض الناس في المنتزهات لا يصلّون، يؤذن للمغرب فلا يصلّون يؤذن للعشاء فلا يصلون وإذا سألتهم لماذا لا يصلون؟ قالوا نصليها إذا رجعنا، ليسوا في سفر حتى يجوز لهم الجمع وإنما في نزهة! أيضاً في السفر تركب الطائرة فيدخل وقت الظهر أو وقت العصر ولا يصلّون ما الدليل على ذلك؟ قالوا ليس هناك مكان، ليس عندهم فقه الصلاة، يظن أنه يمكن أن تصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء مع بعض وهذا لم يقل به أحد من المذاهب كلها الذي يُجمع هو الظهر والعصر وكذلك المغرب والعشاء فقط أما أن يأتي الإنسان بأحكام جديدة ويتفلت من أحكام الصلاة لا يصلي إلا إذا حلا له وكان موجوداً في البيت لكن إذا خرج تجد لديه خلل كبير في المحافظة على الصلاة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإيمان الصادق وأن يجعلنا من المحافظين على الصلاة والمتخلقين بأخلاق المؤمنين وأن يجعلنا من أهل الإيمان الصادق الخالص لوجهه سبحانه وتعالى.