سحر البيان – الحمد لله رب العالمين

خميس, 08/11/2018 - 16:08

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف خلق الله أجمعين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها المشاهدون الكرام: قوله ـ عز وجل ـ الحمد لله رب العالمين… وهو يعلمنا من فضله كيف نحمده ـ جلت قدرته ـ. يقول العلماء الحمد معناه الشكر، أو الثناء، أو المدح، أو ما أشبه ذلك. وقد وقفنا في الحلقة الماضية عند الموازنة بين لفظتي الحمد والمدح، وقلنا: إن كلمة المدح لم ترد في القرآن الكريم، وبينا أن من أول ما يكون من فرق بين اللفظتين أن الحمد إنما يكون لمن هو مستحق لذلك. الله ـ سبحانه وتعالى ـ مستحق للحمد بذاته، هو مستحق للحمد. أما المدح فقد يمدح من هو مستحق، ومن هو غير مستحق. فلما كان اللفظ يستعمل في هذين الاتجاهين أبعد أن الاستعمال في الله ـ سبحانه وتعالى ـ إنه فيه مجال لأن يقال هذا المدح لمن هو يستحق، أو هو مدح لمن هو لا يستحق ذلك، فكانت كلمة الحمد أجدى وأرجح من كلمة المدح. المسلم لما يقول الحمد لله يستحضر في ذهنه أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ مستحق للحمد ذاته ـ جلت قدرته ـ فلا يناسبه كلمة الحمد، مع أن هناك نوع من الاشتراك في المعنى. يعني مساحة مشتركة بين اللفظتين، لكن هناك تمييز للفظة الحمد على لفظة المدح في الاستعمال العربي. وقلنا هذا الذي يفهمه العربي عندما يستمع إلى الكلام، أو يقرأ هذا الكلام. الأمر الثاني الذي ذكرناه من الفارق بين اللفظتين أن كلمة الحمد تتضمن الإجلال والتعظيم والمحبة. أنت عندما تحمد حتى الإنسان أنت تحمده كما سمعت الإنسان يمكن أن يحمد، وهذا من فضل الله ـ عز وجل ـ أن رخص بحمد الآخرين… أن يحمد لكن يشترط في ذلك حتى يكون أهلا لأن تحمده أن يكون له في قلبك إكبار وإجلال ومحبة. والعبد المؤمن له هذا المعنى من التعظيم، ومن المحبة، ومن الإجلال لله ـ تبارك وتعالى ـ. أما المدح فلا يوجد فيه ذلك، لأنه ذكرنا المتنبي مع كافور قد يمدح الإنسان شخصا وهو يحتكره، لكن لمصلحة يمدحه. وقد يمدح ويغالي في المديح وهذه المغالاة أحيانا للشخص النابه الذكي يعرف أن هذا يعني إنما غالا في مديحه… إما طمعا في شيء، أو لأنه في نفسه هو لا يستحق ذلك. لكن هو يحاول  أن يمدحه كما نقل أو روي عن الإمام علي ـ كرم الله وجهه، ورضي الله عنه ـ يقول جاء رجل فغالى في مدحه فقال له ـ رضي الله عنه ـ قال: يا هذا: أنا دونما تكون، وفوق ما في نفسك. يعني أنا دونما تقول هذا الثناء الإثراء البالغ ـ كما قال ـ وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق. أنا دونما تقول، وفوق ما في نفسك. ما أحد يعلم ما في نفس الإنسان، لكن البوادر أنه لما يغالي في مديح إنسان معناه هو لا يراه هكذا، فيريد أن يعالج الأمر في نفسه. فلذلك تجنبت الآية كلمة المدح واستعملت كلمة الحمد، لأنه ليس في المدح ذلك المعنى من الإجلال والتعظيم والمحبة. الأمر الثالث من يعني فارق بين المدح والحمد أن الحمد إنما يكون بعد النعمة، وليس قبلها. أنت تحمد مستحق الحمد. تحمد المحبوب العظيم وتحمده بعد الإنعام، وهذا معناه تذكير. أما نقول الحمد لله رب العالمين. أنا نحمد معناها نتذكر نعم الله ـ سبحانه وتعالى ـ علينا… فهو مستحق للحمد بذاته ـ جلت قدرته ـ مستحقا بالحمد بما في قلوبنا من حب وإجلال وتعظيم مستحق للحمد بما أنعم علينا قبل أن نتلفظ بكلمة الحمد. فنعمته ـ جلت قدرته ـ سابقة { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} ( النحل 18) أما المدح فممكن أن يكون قبل الإنعام، وممكن أن يكون بعد الإنعام… أن يأتي فيمدحه قبل أن ينعم عليه. الشاعر عادة يأتي فيمدح يقول كلاما لعله يحصل على شيء قبل أن ينعم عليه. ممكن بعد أن ينعم عليه يمدحه. يعني يقول فيه كلاما فيه ثناءٌ عليه. فهذه يعني ثلاثة جوانب ترجح استعمال كلمة الحمد على استعمال كلمة المدح. قلنا أن المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ولا أي صيغة من صيغ المدح. قول لعله لما ذكرنا من احتمال الصدق والكذب، واحتمال أن يكون كارها عندما يمدح. وهذا كله يعني لا يلائم ولا يناسب توجيه العبارة لله ـ سبحانه وتعالى ـ. يبقى عندنا الحمد والشكر أيضا نجد ما يفسرون الحمد لله يقول لك الشكر لله. طبعا نحن ذكرنا المعاني الموجودة في الحمد. أيضا يستفاد منها مع الشكر ويراعى شيء آخر أنك تحمد جهة معينة، سواء كان الإحسان منها موجها إليك أو إلى جهة أخرى. يعني شخص يحسن إلى شخص آخر فأنت تحمده. لكن لا تشكره. متى تشكره؟ عندما يوجه العمل إليك، عندما يتوجه العمل إليك فتشكره على ما قدمه لك، ويقول من لم يشكر الناس لم يشكر الله ـ عز وجل ـ. فممكن يستعمل الشكر لله ـ سبحانه وتعالى ـ لكن الحمد هنا أرجح لأنه التذكير بأن نعمة الله ـ سبحانه وتعالى ـ. عامة تعم المتكلم الحامد وتعم غيره. فهو يحمد الله ـ عز وجل ـ على ذلك. يعني كلمة الحمد مجالها أوسع من مجال كلمة الشكر. كلمة الحمد تكون لمن أحسن إليك، ولمن أحسن إلى غيرك تحمده. أما كلمة الشكر فإن العرب لا يستعملونها إلا فيما كان موجها إلى الشاكر نفسه، يوجه إليك شيئا فتشكره. أما إذا كان هذا الشيء موجها إلى غيرك فلا يقال ذكرت فلانا لما بذل من أجل فلان. لا قول حمدته… تحمده على ذلك. الأمر الآخر ما قلناه من معنى الإجلال والمحبة والتعظيم. هذا المعنى لا تتضمنه لفظة الشكر الإنسان يقوم لك بعمل، قل له أشكرك، جزاك الله خيرا. تشكره تقول له شكرا. لكن لا يعني هذا أنك تحبه أو تعظمه أو تجله مجرد تشكره على عمل قام به إليك. بينما الحمد لابد أن يكون هذا في قلبك، فإذا لا تصلح كلمة الشكر بدل كلمة الحمد، ولو قيل الشكر سنفقد هذه الخاصية. هاهنا أمر يعني ممكن أن أعود إليه ـ إن شاء الله ـ وهو ما يقوله بعض الناس الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. هو له أصل هذا الكلام حقيقة في عبارة يذكرها الإمام الشوكاني يقول: وقد ثبت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم  ـ كان إذا رأى ما لا يعجبه قال: الحمد لله على كل حال. هذه أحسن من تلك العبارة. يعني يقول الإنسان: الحمد لله على كل حال. يتجنب كلمة الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. يعني هو معناها صحيح، لكن دائما نقول المأثور هو خير حتى الإنسان لا يقع في مخالفات. هو لا يعلم بها لأن في بعض الأحيان الإنسان قد يقول الكلمة لا يلقي لها بالا، يضحك بها أصحابه تهوي به في الجحيم سبعين خريفا. لا يعطي لها بالا يعني يراها هينة {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } ( النور 15)  حذر حتى يتخلص من مثل هذه الأمور عليه بالمأثور،ما أثر عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو من جاء بعده لمن أهل بيته أو من أصحابه ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فعندنا عبارة مأثورة وهي الحمد لله على كل حال. لكن هل تلك العبارة غلط. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. لا. الجواب لا. لماذا؟ لأن تعلم ما معنى هذا المكروه. يعني أنت عندما يصيبك شيء تكرهه في الظاهر طبعا نقول مكروه من عوارض الدنيا، وليس معنى ذلك أن الإنسان يرتكب الحرام، ثم يقول الحمد لله… لا. يعني بما شيء لا يعارض شرع الله ـ عز وجل ـ من عوارض الدنيا. يعني هذه المقادير خسر شيئا، فاته ربح، أصابه أمر، أصاب أحد أحبابه شيءٌ يعني هو يكرهه فيقول الحمد لله. لكن مع ذلك ينبغي أن يقر في قلبه هو لماذا يقول الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. على هذه العبارة لأنه الشيء الذي تراه من قدر الله ـ عز وجل ـ أعلم ما دمت على طاعة الله ـ عز وجل ـ ولك ثقة بالله ـ تبارك وتعالى ـ أن في ذلك خير كل الخير لك في الدنيا وفي الآخرة. لأن حاشا لله أن يختار لعبده ما هو فيه ضرر عليه. هذا الذي تراه ضررا هو في خيرك ما دمت على ثقة بالله ـ سبحانه وتعالى ـ. فهذا عرضا لأنه يرد أحيانا القول لكن مع ذلك نقول ما ثبت عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان إذا رأى شيئا يعني لا يحمده لا يحبه أو يرى ما هو… يعني يرى فيه أذى، أو شيئا من هذا القبيل يقول هذه العبارة: الحمد لله على كل حال. على كل حال. نحن نحمد الله ـ سبحانه وتعالى ـ ومنه هذا الحديث الذي فيه كلام على موت بن الإنسان. بن الشخص لما يموت الابن إذا مات ولده، وقال الحمد لله… إنا لله وإنا إليه راجعون. كما يقول ربنا ـ عز وجل ـ للملائكة. ماذا قال عبدي ـ وهو أعلم بما قال ـ قالوا: يا رب حمدك واسترجع. يعني مع المصيبة قال الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون. فيقول الله ـ عز وجل ـ ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. لأنه يحمد الله ـ عز وجل ـ. فهناك حقيقة يعني الناس في تجاربها الكثيرة يرى أنه أحيانا ترى شيئا مكروها لها كانت تتمنى أن يقع، وكرهت عدم وقوعه. لكن لما تمر الأيام يتبين للمؤمن أنه كان الخير كل الخير فيما وقع، لأنه لم يحدث هذا أو حدث وهو ما كان يريده أن يحدث، بعد ذلك يتبين له الخير. الثقة بالله ـ سبحانه وتعالى ـ هي تغمر قلب المؤمن بالاطمئنان والاستقرار، ويناله بعد ذلك الأجر، ويرى صحة ثقته بالله ـ تبارك وتعالى ـ. هذا فيما يتعلق بهذه العبارة. نأتي إلى كلمة الثناء. أيضا لفظة الثناء وما تصرف منها لم ترد في القرآن الكريم. كذلك لما نلاحظ كلمة أثنى عليه نلاحظ فيها شيئين. الحقيقة نلاحظ الأولى أن تصريفها يعني الأصل فيها أنها من ثنايا، يعني الثاء والنون والياء الثلاثي فيها. فثنى يثني وأثنى بالزيادة. وفيه معنى الميل والانعطاف بعد أن لم يكن موجودا. يعني لما يقول ثني علي هذا الأمر أو ثني هذا الأمر بمعنى عطفه. يعني هذا الشيء الذي عطفته لم يكن موجودا ثم وجد. فهذا أمر يبعد يعني معنى الثناء لله ـ سبحانه وتعالى ـ، أنه ما كان موجودا والآن وجد. بينما أنت ينبغي أن يكون الحمد لله ـ تبارك وتعالي ـ مستقرا في قلبك. يعني ما هو شيء طارئ. ففي معنى الثناء الطارئ أن يكون الشيء طارئا، لم يكن ثم كان. يعني قلنا هو من هذا الثلاثي. ثنيا ثني الشيء. فمعنى ذلك أنه طواه، يعني جعله بصورة ما كان عليها في الحال الأول. هذا شيء، الشيء الثاني أن هذا الفعل يتعدى بعلى، وعلى فيها معنى الاستعلاء. لذلك لم تستعمل حتى في كلا م الناس. بعد ذلك أثنى على الله وحدها، وإنما يتكلم كلام يقول حمد الله وأثنى عليه، لأنه حتى لا يباشر اللفظ لفظة الله ـ سبحانه وتعالى ـ حمد الله وأثنى عليه بما هو، لأن على فيها معنى الاستعلاء، ولا يناسب معنى الاستعلاء توجيه اللفظ إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ. ففضلا عن المعاني الأخرى المفقودة في الثناء، والموجودة في كلمة الحمد. كما بيناها قبل ذلك. فإذا كلمة الحمد هي أولى من الكلمات الأخرى التي هي في حقلها الدلالي يعني المقاربة لها في المعنى. ولذلك نتذكر هذا عندما تشرح لنا الكلمة. لما يقولون المدح يعني الثناء أو المدح يعني الحمد. الحمد يعني المدح أو الحمد معناه الثناء. الحمد معناه الشكر، ينبغي أن نتذكر هذه الفوارق بين لفظ الحمد وهذه الأمثال الأخرى التي هي من الحقل الدلالي نفسه. نعم هي في هذا الحلق الذي فيه ذكر شيء من إحسان للمقابل. الألف واللام في كلمة الحمد هي ال الجنسية. فلما نقول الحمد لله يعني نحن نقول جنس الحمد، والجنس يشمل عموم ذلك الشيء بكليته وبجزئياته. هذا جنسه كذا. فالألف واللام هي ال الجنسية… يعني تشمل الجنس كله. فلما نقول الحمد يعني كل الحمد بكل ما فيه من المعاني لله. اللام في كلمة لله العلماء يقولون هذه للاختصاص. يعني الحمد مختص بالله ـ تبارك وتعالى ـ. يمثلون يعني ولله المثل الأعلى أيش يعني الاختصاص؟ يقول لك: أنت عندما تقول السرج للفرس والجول للحمار. الجول هذه الذي يسميها البعض البردعة. يعني يكون صناعتها تكون كبيرة وسميكة وإلى آخره. غطاء لكن السرج ما أحد وضع سرجا على حمار. لا يضعونه فالسرج للفرس. يعني هو خاص به. الآن نقول الطاقية للرأس، ما أحد يلبس الطاقية برجله. والجورب للقدمين. يعني هذه الخاصة بهذا الشيء، كأنها خصصت لذلك. فلما يقول اللام للاختصاص يريدون هذا المعنى. فالحمد لله يعني هو خاص لله ـ سبحانه وتعالى ـ. وتكلما حقيقة في أكثر من مرة عن كلمة الله، وكيف أنها تستوعب جميع الأسماء الحسنى والصفات العلا الأخرى. الأسماء والصفات كلها تكون مستوعبة في كلمة الله. فإذا الحمد لله الألف واللام هي للجنس، جنس الحمد. كأنه خاص بالله ـ سبحانه وتعالى ـ. طيب الحمد لله يعني هذا من فضل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن هذا الحمد الذي هو خاص به بهذا المعنى لم يجعله ـ جلت قدرته ـ قاصرا عليه. يعني ليس هناك حصر وقصر للحمد على الله ـ عز وجل ـ في هذا الموضع. أما هناك مواضع أخرى سنأتي إليها فيها حصر، لأن السياق يقتضي الحصر. لو قيل في غير القرآن هنا لله الحمد في أول الفاتحة كان يكون إعلان ابتداء من أول القرآن أنه لا يكون حمدا لغير الله ـ تبارك وتعالى ـ. وكأن الآية هنا لا تريد ذلك، لأن الموضع هو موضع دعاء، موضع تمجيد لله ـ سبحانه وتعالى ـ فعدم التقديم أنه ما قال لله الحمد من أول مرة. معنى ذلك أنه تفضلا من الله ـ تبارك وتعالى ـ على عباده أن يكون بينهم الحمد أيضا، واختصاص الحمد لله فيها اختصاص الحمد. يخص الله ـ سبحانه وتعالى ـ، لكن من أين علمنا أنه من تفضله ـ عز وجل ـ أنه يقول للبشر للآخرين يقول فيما بينهم. قالوا لأنه لو أريد الحصر لقدم الجار والمجرور. كان يقول لله الحمد رب العالمين، فلما لم يأت لله الحمد رب العالمين جاء بهذا النظم… الحمد لله، معناه ممكن أن يكون الحمد أيضا لغير الله ـ سبحانه وتعالى ـ. ممن يكون له في قلبك حب، وله في قلبك تعظيم، ويكون قد سبق إحسانه إليك، يكون فيه من الصفات التي تستحق أن تحمده عليها. حتى إذا كان محسنا لغيرك تستطيع أن تحمده. فإذا: هنا عدم التقديم هو هذا عدم تقديم الجار والمجرور حتى لا يكون هناك من أول السورة. أول القرآن الكريم أن يكون هناك حصر. نعم سنأتي إلى آيات ونقرأها ـ إن شاء الله ـ ونتبين فيها معنى الحصر، ولماذا جيء في ذلك الموضع؟ بحصر الحمد لله ـ سبحانه وتعالى ـ معناها أن في ذلك الإطار. أما هنا فهو ترخيص في هذا الإطار… في إطار حمد لله ـ سبحانه وتعالى ـ، وفي إطار ذكره، وفي إطار دعائه يجيز لك أن تتوجه إلى الآخرين بالحمد. أيضا فالحمد هنا في هذا السياق لم يجعله قاصرا، لأن تقديم الجار والمجرور في لغة العرب يشير إلى معنى الحصر، أو ما يسمى بالقصر. حتى تقديم المفعول به في { إياك نعبد } كما سنأتي إليه أيضا فيه معنى الحصر والقصر. لكن هنا ما استعمله.. استعمل السياق الاعتيادي الذي هو المبتدأ، ثم يأتي الخبر أو ما تعلق بالخبر. وكلمة الحمد مبتدأ ولله جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف. يعني على النظام الاعتيادي الطبيعي بالجملة. ومن هنا فهم العلماء من عدم التقديم مع أن التقديم لغة ممكنة، وورد في القرآن الكريم في مواضع أخرى، ففهموا أنه في بداية القرآن الكريم في بداية الفاتحة، في بداية التوجه إلى الناس بتوجيههم وتعليمهم وتلقينهم جاء الكلام هكذا مرخصا، بأن يكون هناك حمد لمن يستحق الحمد من البشر. نواصل ـ إن شاء الله ـ هذا الموضوع في الحلقة القادمة ـ بإذن الله تعالى ـ.
أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.