الأسوة الحسنة

خميس, 08/11/2018 - 16:09

كنا مع رسول الله في مسيرته من مكة إلى المدينة ودخلنا معه قباء وعرفنا ما جرى هناك حيث بقي في ذلك الركن الهادئ 11 يوماً ثم غادر قباء متوجهاً إلى المدينة المنورة في صباح يوم الجمعة بعد 11 يوماً من وصوله إلى قباء وقد أدركته صلاة الجمعة في بني سليم بن عوف وصلاّها في مسجدهم في بطن الوادي وألقى خطبة الجمعة وهي الخطبة الأولى في المدينة وتحدثنا عن تلك الخطبة الحاسمة الفاصلة التي هي أول بواكير الخُطَب.
تحدثت الخطبة في المقطع الأول عن التقوى وفي المقطع الثاني عن العلاقة بالله وفي المقطع الثالث عن الإحسان وفروعه وقد شرحنا ذلك في حلقة سابقة. ثم ترك الوادي وتوجه إلى المدينة ولكن الأسوة الحسنة تفرض علينا أن نستنبط من هذه الخطبة شيئاً مهماً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب). عندما أراد الله تعالى أن نتأسّى برسوله r فيما تكرهه النفس فعلينا أن نقف في كل موقف وقفه رسول الله r مناقضاً بشكل تكرهه نفسه وكيف تصرّف وهذا من الأسوة برسول الله r. خطبة الجمعة الأولى في المدينة تتميز تميزاً واضحاً بأنه r لم يأتي على ذكر أهل مكة ولم يتحدث عما فعلوه به وبأصحابه من عذاب وتعذيب وتطريد وتشريد وهو ما يعرفه جميع المسلمين من العناء والمعاناة التي لقيها المسلمون على أيدي مشركي قريش تلك المعاناة التي تشيب لهولها الولدان. كان من المتوقع من نبيّ كريم وبشير ونذير لقي من قومه ما لقي وقد وصل مهاجراً إلى بلد حبيب واستقبل استقبالاً عظيماً، كان المتوقع أن يذكر r ما لاقاه وأصحابه وكان معه في قباء قرابة 120 مسلم من المهاجرين بعد أن مسّهم العذاب والتعذيب وقد حضروا الخطبة التاريخية فالمتوقع أن يتحدث عن العذاب والاعتداء والتنكيل الذي صبّته قريش على النبي r وأتباعه. الخطبة كلها خلت من ذلك تماماً بل كانت تتميز بالتسامح واللطف والتبشير وبثّ المحبة بين الناس وعناصر التقوى والتعلق بالآخرة وكأن شيئاً لم يحدث له ولا لأصحابه وقد قال r وهو خارج من مكة “والله إنك لأحب البلاد إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت” أخرجوه قهراً وقسراً لكن النبي r لم يتحدث في تلك الخطبة والناس كلهم آذانهم صاغية لأنهم يرونه لأول مرة. كيف نتأسى بذلك في مثل هذا الموقف الجليل؟ كيف تغاضى r عن كل أخطاء قومه وأذاهم وشركهم وعنادهم وما لقيهم وأصحابه منهم؟
هكذا هم الكبار في الدنيا وأكبرهم محمد r (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران) بُعِث r هادياً ومعلماً ومصلحاً ولذلك فهو من أول يوم يتوقع أن يحدث له ما حدث له ولذا كان أكبر بكثير مما جرى له وأصحابه ولذلك قد رأى أن مهمته أعظم من كل ذلك وأن غاياته تتفوق على كل ما يلقاه من عنت وتعذيب فالرسالة أعظم والمهمة أكبر. هكذا نتأسى به r (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). لذلك على كل كبير أو قائد أو حاكم أو داعية أن يتعلم من مثل هذه اللقطة العجيبة التي يرى أهل المدينة النبي r لأول مرة وهو يخطب فيهم وكانوا يتوقعون أن يعرّج على ما لقيه هو وأصحابه ويذكر أهل مكة بسوء لكن ذلك لم يحدث وإنما خطب بأمور تحدثنا عنها. هذا دليل على أنه r لم يكن في قلبه حقد ولا بغضاء على الذين عذبوه لأنه ما جاء محارباً وإنما جاء داعية وهادياً وعلى الداعية أن يتحمل أذى قومه وغيرهم. وما من شيء أعظم يوم القيامة من سلامة القلب وكلنا نتعرض في الحياة لمعتدٍ أو لائم أو حاقد ويقع علينا ظلم من أي جانب ويتعرض لمواقف من الناس يثير فيه البغضاء والكراهية وهذا من واقع أيامنا. والتفاوت بين البشر بما يتعلق بمدى ضبطك لأعصابك وكظمك لغيظك وبما في قلبك من تسامح وإعذار للآخرين وهذه من أخلاق الرسول r ، تخلّقوا بأخلاق الله الحلم والرأفة والتجاوز وكظم الغيظ. وفي الإسلام كظم الغيظ على ثلاث مراحل: كظم الغيظ والعفو والإحسان فإذا إعتدى عليك أحد أو جحدك جاحد عليك أن تكظم غيظك تماماً ثم تعفو عمن فعل ذلك ثم تحسن إليه بهدية أو بكلام طيب أو إسداء معروف. وإذا كان النبي r يعلمنا كيف نفعل ذلك. قال تعالى (والله يحب المحسنين) والإحسان هو أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك فإذا كان النبي r أوصى بهذا فهو الأسوة في مثل هذه المواقف (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت) الرجال يعرفون في هذه المواقف ممن يكظم غيظه ويعفو عمنه ويحسن لمن ظلمه، هنا موقع هذه الأسوة.
ثم نسير معه r بعد أن صلّى الجمعة وألقى خطبته الشهيرة سار بإتجاه المدينة على ناقته القصواء وكلما مرّ بحيّ من أحياء المدينة خرج أهل الحيّ يطلبون منه النزول إليهم وهم مستعدون للدفاع عنه ونصرته وكل فريق كان يمسك بخطام ناقته وكان r يقول: “خلّوا سبيلها فإنها مأمورة” ثم بركت الناقة في بني النجار أمام بيت أبو أيوب الأنصاري حيث أخذ النبي r إلى منزله فمكث عنده 7 أشهر كاملة.
عملان عظيمان بدأ بهما النبي r حياته في المدينة بعد أن استقر فيها حيث ستكون عاصمة هذه الأمة فما هي أجلّ الأعمال التي باشر بها النبي r في المدينة منذ وصوله إليها؟
بناء المسجد النبوي:
المعروف أن وصول النبي r للمدينة كان حدثاً تاريخياً معروفاً ولما بركت القصواء في مربد (مكان يجفف فيه التمر) لغلامين يتيمين من بني النجار، سهل وسهيل إبني عمرو فاشتراه منهما بعشرة دنانير ذهباً من أموال أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع أن اليتيمين عرضا الأرض على رسول الله r بلا مقابل إلا أنه r أبى إلا أن يدفع لهما ثمن الأرض. في هذه الأرض أقام النبي r مسجده المعمور الحالي حيث بركت القصواء. إذن أول عمل قام به رسول الله r في المدينة هو بناء المسجد وفي ذلك أسوة عظيمة أن الدين لا يصلح بلا مساجد (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) الجنّ) هذا الدين مبتدأه ومنتهاه في المسجد لذلك كان r إذا غادر المدينة مسافراً غادرها من المسجد وإذا عاد إليها أول ما يدخل المسجد. إذن ركن من أركان دعوة الدين ومجتمعه وإدارة حياته فلا تصلح بقعة ولا قرية ولا مدينة ولا حيّ بدون المسجد (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) النور). فالمسجد علامة إيمان وإسلام القرية أو المدينة أو الحيّ من أجل ذلك فإن للمساجد فقهاً عظيماً وعلى المسلمين أن ينتبهوا إليه من حيث حاله ومآله وكماله وأعماله وهي قضية مهمة في هذا الدين لأن المسجد هو سوق الآخرة كما أن الأسواق في الدنيا تعتبر من الربح الهائل والذي يشتري ويبيع خارج السوق لا يستطيع الوصول لغِنى أهل السوق وكذلك على المسلمين أن يتاجروا مع الله تعالى في سوق المسجد، حبّك للمسجد عبادة وتنظيفك له عبادة وقدومك إليه عبادة وكل حركة فيه ومنه وإليه عبادة والربح فيه وفير. عندما تصلي في البيت لا تحصل إلا على أجر الفرض ولكن عندما تصلي في المسجد تحصل على أرباح كثيرة. ولا ينبغي أن تقوم قرية أو مدينة أو منشأة إلا ويُبدأ فيها ببناء المسجد في مكان مرتفع عظيم (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ) تُرفع مكاناً بارزاً وتُطهّر وتُعمّر وتُبخّر وتُعمّر بالأعمال الصالحة. لها الرفعة في الأمة في قلوبهم وفي احترامها وفي الأعمال والعبادات التي تؤدّى بها بخشوع ووقار مما هو معروف من أحكام المساجد ولهذا بدأ النبي r بأول عمل وهو بناء المسجد لا يخرج منه المسلم إلا ليعود إليه ولهذا فإنه من الجفاء والنفاق أن يكون بيتك بجوار المسجد وتصلي في بيتك إلا في حاجة من خوف شديد أو مرض شديد كما حصرها الرسول r (حرب، رياح شديدة، مطر غزير) فيما عدا ذلك فإن الصلاة وفق الأحاديث التي وصفت المتخلفين عن المساجد بالكفر والنفاق “إن الجفاء كل الجفاء والكفر والنفاق أن تسمع نداء الله ثم لا تجيب” وهذا يعني إذا سمعت النداء ولا عذر لك بالتخلف ومع ذلك تخلفت وصلّيت في بيتك فأنت منافق. والرسول r نفى عمّن لا عذر له أي حكم أو صفة من صفات الصلاة المقبولة. والحديث في المساجد يعني حديثك في هذا الدين كله وإذا تتبعت تاريخ الأمة تجد أن كل رفعة الأمة تمت في المساجد. فالمسجد قضية مركزية في الأمة ” إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان” فإذا كنت تريد أن تعرف هل أن الله تعالى راضٍ عنك وأن عملك من النوع الجيد وأنك على الصراط المستقيم عليك أن تعرف موقفك من المسجد وفي الحديث عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم : ورجلٌ قلبه معلّق بالمساجد. يصلي فيه وكلما خرج منه هفا قلبه ليعود إليه فإذا كنت كذلك فأنت من المؤمنين حقاً وممن رضي الله عنه وبهذا لا يمكن إلا أن تكون بقية أعمالك صالحة إن شاء الله.
المؤاخاة بين الأوس والخزرج والإصلاح بينهم:
بعد بناء المسجد الذي شارك الرسول r بنفسه في بنائه واكتمل المسجد ومواصفاته معروفة قال r: إجعلوه عريشاً كعريش موسى (أي إذا رفع أحدهم يده يلمس سقفه) وبدأوا الصلاة فيه إلى قبلة بيت المقدس ثم تحولت القبلة بعد ذلك بفترة إلى الكعبة المشرفة. تمّ المسجد وإلتأم شمل المسلمين ثم بدأ r بعمل آخر وهو من أهم الأعمال بعد بناء المسجد وهو المؤاخاة بين الأوس والخزرج. يُطلق على أهل المدينة الأنصار وقد رضي الله تعالى عنهم ويطلق على المهاجرين أهل مكة الذين هاجروا للمدينة. القبيلتان الرئيسيتان اللتان كانت تتقاسمان المدينة بالسويّة هما الأوس والخزرج وهما أخوان أولاد ثعلبو وينتهي نسبهما إلى عدنان وكانتا متحاربتان ما يقرب 120 عاماً وبدأ هؤلاء وهؤلاء يدخلون في الإسلام وهم الأنصار لكن العداء لا يزال بينهما والنفوس فيها كثير من البغضاء. فأول عمل بعد بناء المسجد أن الرسول r أطفأ شعلة الكراهية والبغضاء حتى عاد الصفاء والإخاء بين القبيلتين وزالت البغضاء فما من شيء أخطر على المؤمن من الجفاء والبغضاء والكراهية وكان r يشير إلى ما سيأتي للأمة ” “دب اليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم: أفشوا السلام بينكم”. ” وهذا يجب أن نتأسى به من بواكير أعماله عند وصوله المدينة r. كلنا يعلم ماذا يعني أن يكون بينك وبين أحد إخوانك هجر أو مصارمة، يغفر لكل الناس في كل موضع من مواضع المغفرة كيوم عرفة وليلة القدر ورمضان ويستثني الله تعالى كل عاقٍّ لوالديه أو كل أخوين متصارمين. كل من تهاجرا ولا يصل أحدهما الآخر ولا يسلّم عليه فإن صلاتهما لا ترتفع فوق رأسيهما شبراً، تخيل لو أن رجلاً عمره ثمانين عاماً يصلي ويصوم ويقوم بكل العبادات لا يجد شيئاً من عمله هذا يوم القيامة لأن له أخ حصل بينهما خلاف على مالٍ أو ملك ولم يتكلم معه ولم يسلم عليه إذا لقيه. هذا العقاب لم يحدث مع أكبر الذنوب والخطايا لذا كان أول ما فعله النبي r بعد بناء المسجد المباشرة بالصلح حتى وحّد الأوس والخزرج وأنشأ الجيش العظيم الذي فتح العالم نوراً وهداية وإصلاحاً. فلأسوة الحسنة في هذا الموقع أن نتلمس في حالنا ولا نغتّر من كثرة عباداتنا إذا كان بيننا وبين أحد المسلمين هجر أو مخاصمة لأن الأعمال والعبادات تحبط بالمصارمة والهجر والمخاصمة. من أجل هذا إذا كان هذا الذنب من أعظم الذنوب فإن تلافيها من أعظم القربات ” قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة والصدقة؟” قالوا: بلى يارسول اللّه، قال: “إصلاح ذات البين، وفساد ذات البيت الحالقة”. ” وأوصى رسول الله r أنس فقال: يا أنس هل أدلك على عمل يحبه الله ورسوله؟ قال: بلى يا رسول الله، قال أصلح بين الناس إذا تفاسدوا وقارب بينهم إذا تباعدوا”. إعمل على جمع الناس إذا تباعدوا وأصلح بين المتفاسدين.