للذين أحسنوا الحسنى– حسن الابتلاء

خميس, 08/11/2018 - 16:14

الحُسن في حلقتنا هذه عن حُسن البلاء والبلاء قد يكون حسناً وقد يكون عبوساً. ورب العالمين عز وجل مرة يمتحننا بالسرّاء بالمال والنعم والبنين والثراء والحكم وعلينا أن نشكر وأحياناً يمتحننا بنقص من الأموال والأنفس والثمرات وبالمصائب والنكبات وعلينا أن نصبر وما من عبادتين لله عز وجل أعظم من عبادتي الشكر والصبر. الشكر عند النعمة والصبر عند النقمة فإذا ابتلاك بالنقمة فعليك أن تصبر وإذا ابتلاك بالنعمة فعليك أن تشكر. والصبر أقل مؤونة من الشكر لأن الشكر أقوى وأشق من الصبر كما قال عمر بن الخطاب ابتُلينا بالضرّاء فصبرنا وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر. فإذا أصابك مرض أو نكبة في مالك أو ولدك تصبر يوماً ويومين ثم تنتهي لكن إذا أصابتك نعمة عظيمة كالحكم والمال والبنين ربما تطغى وربما تشتط وربما تفجر وتفسق فكل البلاء الذي يأتيك عن طريق جماليات هذه الدنيا يسمى البلاء الحسن كما قال تعالى (وليبلي المؤمنون منه بلاء حسناً) ابتلاهم بالنصر نصر بدر كان مدوياً مجلجلاً وأيّ جيش إذا انتصر هذا النصر المؤزر ربما يطغى ويظلم الناس كما حصل من جيوش سرقوا ثروات البلاد ودمروا البلاد تدميراً كاملاً هذا هو الرسوب الهمجي في البلاء الحسن وهو بلاء النعمة ومن الناس من إذا كانت لهم قوة عظيمة أو انتصار عظيم قوي يسخرونه في مداوة جروح الناس وفي بث العدل بينهم وفي تعمير بلادهم وفي تعلميهم العلوم وفتح المدارس وهكذا يفعل بعض الناس في التاريخ عندما ينتصرون على عدو أو عندما يستعمرون بلداً. 99% من المحتلين يستبد بهم فرح النصر فيظلمون الناس ظلماً عظيماً فيبيدونهم بالجملة كما فعل المستعمرون في افريقيا وفي بعض دول العالم الإسلامي وكما يفعلون في أكثر من بلد الآن. وهناك من عندما ينتصرون يعاملون خصمهم بالعدل والحسنى والإنصاف كما فعل المسلمون بشهادة التاريخ كله. قد يبتليك الله تعالى بالنعمة فترسب وقد يبتليك بالنقمة فترسب قد يبتليك بموت ولدك فتصبر وليس أمامك إلا أن تقول إنا لله وإنا إليه راجعون لكن ماذا لو هطلت عليك ثروة بالملايين؟ ماذا لو أصبحت حاكماً؟ ماذا لو أعطاك الله بنين أشداء؟ أتطغى؟ (أن كان ذا مال وبنين) أطغته النعمة، كما قال قارون (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) أطغاه المال وكل النعم ربما تُطغي صاحبها. ومن النعم التي قد تطغي الإنسان نعمة الحُكم (فلن أكون ظهيراً للمجرمين) هذا ابتلاه الله بالحكم فحكم بين الناس بالعدل وهناك من قال أنا ربكم الأعلى وبدأ يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم، وابتلاء بالمال (وأحسن كما أحسن الله إليك) (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) امتحنهه الله بالبلاء الحسن وأعطاهم مالاً عظيماً فبخلوا به بخلاً عظيماً، بالعلم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) هذا الذي أعطاه الله العلم بدأ يبيع العلم الذي آتاه الله حتى أهوى إلى الأرض واتبع هواه. وكذلك الجمال (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) أعطاه الله هذا الحسن الآسر ومع هذا صبر وصمد وكم من الناس يصمد، كذلك النصر (وليبلي المؤمنون منه بلاء حسناً) والنساء ” ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء”، بالخوارق هذه الأمة أعطى الله تعلالى الأنبياء معجزات كما أعطى الأولياء كرامات وهؤلاء قد تطغيهم كرامة ومن هؤلاء من يتدلل على الله تعالى لكثرة ما يرى من خوارق فيهلك كما قال سليمان على عرش بلقيس (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) الذي يشكر النعمة يضاعفها الله تعالى ( لئن شكرتم لأزيدنكم) ومن كفر فليس الله تعالى محتاج لأحد. البلاء بالنِعم هو أخطر أنواع البلاء لأنه بلاء ممتع ينسيك ذكر الله وينسيك ماضيك وتطغى على العباد فأخطر أنواع البلاء هو البلاء الحسن وهو الذي تستلذ به النفوس وترتاح له القلوب لأنه نِعَم لا حصر لها. قال تعالى على أصحاب الجنة (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) أعطاهم الله بستاناً عظيماً فيه من كل الثمرات فقالوا لن نعطي منها الفقراء بل نذهب من الفجر ونأخذ الثمر ونمنع الفقراء فأحرقها الله تعالى. قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم) كم من الحكام بعد أن ولاه الله الحكم عدل في الرعية؟ لا شك أن الذين عدلوا قلة وأن الذين ظلموا كثرة وهكذا كل أنواع البلاء الحسن من حيث النعم المتعددة فإذا رأيت حاكماً أنعم الله عليه بالعدل والرحمة والرأفة فاعلم أنه من أول السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. وكل العالم يعلم أن بعض الدول العربية والاسلامية فيها ما يشرف المسلمين وهي دولة الإمارات هذه الدولة التي أسعدت شعبها ووثقوا بهم وقسموا الثروات ولم يظلموا أحداً وشكروا الله من حيث أن الشكر استعمال النعم بطاعة الله. ومن سلسلة المبادرات العظيمة التي يبادر بها حكام الإمارات لشعبهم ومنها بالأمس مبادرة تعليم مليون طفل في العالم الإسلامي وهذه مبادرة من أقدس المبادرات لأنه من صنع الله تعالى فتعليم الطفل خير من غذائه ولباسه ومن أن تبني له بيتاً. وأول ما منّ الله تعالى على آدم بالتعليم ( وعلم آدم الأسماء كلها) وعلى عيسى بالتعليم (وعلمتك الكتاب والحكمة) وعلم محمداً تعليماً لا مثيل له (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وعلم داوود صناعة الأسلحة والدروع (وعلمناه صنعة لبوس لكم) والعبد الصالح (علمناه من لدنا علما) وهكذا تعليم الله لعباده المصطفين أعظم نعمه عليهم وما أعظم من نعمة أن يعلمك الله عز وجل والله تعالى علم الناس كلهم (علم بالقلم) (الرحمن علم القرآن) فهذه المبادرة مبادرة جديدة من بواكير الشيخ محمد بن راشد وسمعنا كثير من الحكام الطيبين وخاصة في العالم العربي أنهم يكرمون الناس بالمنتوجات والألبسة لكن هذه المبادرة الكريمة بدأت فعلاً ولذلك رب العالمين سيزيدهم خيراً وبركة لقوله تعالى (لئن شكرتم لأزيدنكم) وما من عمل أعظم ولا أقدس ولا أشرف من تعليم الناس لهذا العالِم والمتعلم شريكان في الأجر. إذن رب العالمين يبتلي كل صاحب مهنة ببلاء فالعِلم يبتليه الله بحسن التأدية وحسن التعليم والأداء كما قال تعالى في صدّيق موسى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) وبالمال ضرب الله مثلاً بقارون وبالسلطان ضرب الله مثلاً بسليمان وداوود. السلطان من حسن بلائه تحقيق الأمن وأول ما ينبغي على السلطان أن يحققه هو الأمن والأمان لأنه أساس كل نعمة فإذا حقق الأمن بدأ مرحلة البلاء الحسن وهو شكر النعمة وإذا جقق الأمن فالمرحلة الثانية أن يحقق العدل بين الرعية فإذا حقق العدل عليه أن يحقق مجتمع الكفاية أن لا يكون هناك فقير مدقع وقد يتفاوت الناس في المال (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم) هذا البلاء الحسن ولو شاء لجعلكم أغنياء جميعاً لكن جعلكم متفاوتين ليمتحنكم امتحاناً حسناً في هذا المال الذي بين أيديكم وإذا حقق مجتمع الكفاية فعليه أن يحقق مجتمع التعليم التعليم هو الذي عليه أن يكون رأس كل مجتمع وإلا محق الجهل. المريض قد يشفى والفقر قد يغنى لكن الجاهل هو المصيبة فالجهل مصيبة المصائب وتؤتى المجتمعات من جهلها. إذا حقق الحاكم هذه الأساسيات لعدل السلطان فإنه يكون أولاً من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثانياً يكون مجلسه من المجالس التي يضمن العبد فيها مغفرة الله عز وجل “سبع مجالس العبد فيها على الله ضامن- أي ضامن المغفرة – ما كان في مسجد جماعة وما كان في مجلس مريض وما كان في مجلس علم ومن ضمنها ما كان في مجلس إمام عادل تعزره وتوقره” تحترمه وإذا استشارك تشير عليه وتنبهه إلى بعض الحالات وهذا الحاكم هو ظل الله في الأرض وبهذا الحاكم تقوم السموات والأرض لأنه يحقق مصالح الرعية (فاحكم بين الناس بالحق). مسألة التعليم مسألة أساسية رُبّ شعب يصبر على الفقر أو موجة من المرض ثم تزول لكن أن يعم الجهل في أي شعب من الشعوب فهي مصيبة المصائب أما هذه المبادرة جعلها الله فاتحة خير لكل الحكام وجعلها مباركة حتى يعم العلم والثقافة والنور جميع أراضي المسلمين. هكذا هو البلاء الحسن فإياك أن تغتر بالنعمة (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) لا تغتر فليس كل نعمة يعطيك الله إياها دليل على أنه أكرمك وإنما يريد أن يبتليك وهو من البلاء الحسن بالنعم وكل الناس تتمنى أن يعطيهم الله ملكاً عظيماً أو مالاً كثيراً أو علماً غزيراً. إذا ابتلاك الله بالنعم فإنه تعالى يريد منك أن تشكر (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) هذه قاعدة كل من يشكر النعمة يزيدها اللله تعالى له بطول العمر وزيادة الخير، ” من أحب أن يُنسأ له في أجله وأن يزاد له في رزقه فليصل رحمه” بالعطاء وشكر النعمة استعمالها في طاعة الله، إعطِ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً وما من يوم إلا وملكان يناديان اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً. هكذا هي مسألة البلاء الحسن وعلينا أن لا نغتر بالنعمة ” ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره إلى جنبه جائع” تأمل كم أن النعمة مسؤولية فأدّوا مسؤولية النعم وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من الشاكرين وكما قال تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) اللهم زدنا من نعمك التي نشكرك عليها وأسبغ علينا رحمتك وفضلك.