النـهــايـة الحتمية: (الموت في الخطاب الجاهلي) / الناجي محمد حرمه

جمعة, 09/11/2018 - 13:25

الموت؛ إنه ذلك الكائن الغامض المرعب الذي يكفي مجرد ذكره لبث الرعب في أعتى القلوب..
لقد أعيى الموت الفلاسفة والمفكرين ووقف الملحدون إزاءه بلا عقول..الموت هو الشيء الوحيد الذي لا يسطيع أكثر الناس إنكارا أن يتجاهله لأنه ماثل للعيان ماض في تجسيد مهمته الأبدية..
الموت داء لا دواء له ..الموت وحده ينهي الأحلام ..
كم من آجال أنهت آملا! وكم من أقوام وضع الموت حدودا لأحلامهم وتصوراتهم ومستقبلهم..يبني الإنسان ويُنظر ويرسم مستقبلا طويلا ولا يعلم أن حادث سير عبر طريق معين ينتظره لينهيَ وجوده في هذه الدنيا.
يعمل الملوك والرؤساء والوزراء ورجال الأعمال لمستقبل على أمد بعيد ولكنهم ينسون أن لحظة ما من لحظات الزمن قد كتب في الأزل أن حياتهم لن تتجاوزها، وقد باتت هذه اللحظة وشيكة الحضور.
كم من خطيب مات ولم يلتق بخطيبته لأن الموت كان الأسبق إلى أحدهما ..كم من عريس مات قبل أن تزف إليه عروسه...
قد يخرج الإنسان من بيته في أي لحظة ولكن عودته تكون إلى بيت آخر أشد ظلمة ووحشة..
مات فلان بحادث سير على الطريق الفلاني..
مات فلان فجأة ولم يكن مصابا بأي مرض..
قتل فلان على طريق عام ولم يُعرف من قتله...
وضع فلان رأسه على الوسادة وهو لا يشكو من شيء ولكن تلك الرأس لم ترفع ..
طالب ينهي دراسته وقبل أن يستلم شهادته يكون الموت قد أخذه..مسافر يطوي أمتعته لمغادرة البلاد ولا يعلم أن مغادرته ستكون للدنيا كلها ...
اثنان قد تعاقدا على الزواج وحددا الموعد ولكن الموت أكثر وفاء بوعده الذي لا يتقدم عنه ساعة ولا يتأخر فيأتي ويحول الحفل المتوقع إلى مأتم واقع..
كم من إنسان يلهو ويلعب غافلا سامدا والموت ينسج أكفانه. 
ليست المشكلة في الموت؛ فهو مصير حتمي مشترك بين كل الأناسي ولكن الأدهى هو ما بعد الموت لأن الناس لم يُتركوا سدى ولم يُخلقوا عبثا؛ فما بعد الموت أمرمهول لمن لم يستعد له ..
وحين ننظر في في الخطاب الجاهلي نجد الموت ذلك الشبح المخيف الحتمي الذي لا سبيل إلى رده أو مدافعته، لأنه واقع لا محالة، ويستوي في إدراك ذلك الصغير والكبير العاقل والمجنون الرجل والمرأة...
وقد تعامل شعراء الجاهلية مع الموت تعامل الموقن بها غير الشاك ولا المرتاب في وقوعها دون معرفة كنهها، ولم يفكروا فيها تفكيرا معقدا بل نظروا إليها ببساطة وسذاجة، فلم يولوها اهتماما كبيرا ولم تشغل حيزا من فكرهم، بل على العكس اعتبروها ظاهرة حتمية لا ينبغي التفكير فيها، على خلاف غيرهم من الأمم كالفرس والرومان، والهند واليونان، وغيرهم، وهذا أمر طبيعي ومقبول خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار بساطة التفكير العربي وجنوحه إلى عدم التعقيد في كل شيء لأسباب ليس من مطابقة الكلام لمقتضى الحال ذكرها.
غير أن الشعراء الجاهليين تناولوا هذه الظاهرة من أوجه شتى تصب كلها في تقبل الموت باعتباره واقعا مرا أليما دون التفكير في ماهيته، وبتتبع ظاهرة الموت من خلال استعراض نماذج لبعض شعراء الفترة ندرك أن لكل واحد منهم تصورا للموت قد لا يختلف جوهريا عن التصور العام لدى الجميع.
فهذا طرفة بن العبد يقرر أن الموت ـ تقدم أو تأخر ـ قادم لا محالة بل ويشبهه بالحبل الطويل المرخى للدابة في إشارة إلى استراجعها متى ما أراد صاحبها ذلك.
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى==لكالطول المرخى وثِنياه في اليد
ونجده يعتبر العمر كنزا فانيا يتناقص بانقضاء الليالي وانصرام الأيام، فكلما انقضى يوم اقتربت الحياة من الانتهاء وآذنت بالرحيل، وأزفت ساعة الموت.
أرى العمر كنزا ناقصا كل ليلة==وما تنقص الأيام والدهر ينفد
وطرفة ذاته الذي وافاه الأجل وهو في ربيعه السادس والعشرين يقول في انهزام واضح وعجز بين عن رد المنية ودفعها:
فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي==فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وإذا ما نظرنا إلى زهير بن أبي سلمى نجده يؤكد أن لا مناص من الموت ولا انفكاك منها مهما أخذ الإنسان من أسباب، فهي واقعة لا محالة.
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه==وإن يرق أسباب السماء بسلم
إلا أنها بالنسبة له ليست على هدى فهي تارة تأخذ الصغير وأخرى تأخذ الكبير؛ بمعنى أنها انتقائية لذا شبهها بالناقة العشواء التي لا تبصر.
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب==تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
وهذه الانتقائية ذاتها نقف عليها مع طرفة ولكنه حدد لها معيارا هو الكرم فمن كان كريما كان استهداف الموت له أسرع.
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي==عقيلة مال الفاحش المتبلد
وعلى هذا النحو قول لبيد: 
أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى==وأي كريم لم تصبه القوارع
ويأتي لبيد نفسه للموت بمعنى أدق وأكثر واقعية لا يختلف كثيرا عن رؤية سابقيه
ولقد علمت لتأتين منيتي==إن المنايا لا تطيش سهامها
ويعي عمرو بن كلثوم أن الموت سبيل كل حي، وقدر كل إنسان فيقول:
وأنا سوف تدركنا المنايا==مقدرة لنا ومقدرينا
فاعتبر الموت منهلا مورودا للجميع؛ إما أن يقع على صاحبه، أو يقع صاحبه عليه وهو واقع في الحالتين؛ إنه إدراك الفناء والشعور الكامن بالخوف من الأيام، وتُظهر فلسفة طرفة أن الحياة عبارة عن عرية قد يستردها صاحبها في أي وقت شاء، وأنها تتناقص بمضي الأيام
لعمرك ما الأيام إلا معارة==فما استطعت من معروفها فتزود
فالجاهليون ـ والشعراء ألسنتهم التي تعبر عن معتقداتهم وما تختلج به كوامن أنفسهم ـ موقنون  بحتمية الموت وشموليه ومساواته، لذا كان الاستسلام له سبيلا سلكوه جازمين أن لا جدوى من رده أو مقارعته، يقول عنترة:
ومن ذا يردا الموت أو يدفع القضا==وضربته محتومة ليس تعثر
حيث اعتبر الشاعر سبيل الموت ممهدا لا وعورة فيه، وليس بعيدا عن هذا المعنى قول الممزق العبدي:
هل للفتى من بنات الدهر من واق==أم هل له من حِمام الموت من راق
فبنات الدهر ـ وهن المصائب والنوائب ـ لا واقي منهن كما أن الموت لا راقي له.
ومع أن الشعراء الجاهليين تحدثوا عن الموت وأسهبوا في ذكره وكان شبحه ينغص عليهم عيشهم ويملأ حياتهم بالضبابية إلا أنهم لم يتعرضوا للغوص في كنه الموت ولم يحاولوا تفسير هذا الكائن الغريب الغامض، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في عالم ما بعد الموت ولا عن علاقة الروح بالجسد؛ تلك العلاقة التي مثلت أرضا خصبة وموضوعا هاما لكثير من الفلاسفة، بل اكتفوا ـ نتيجة لعقلهم البدوي البعيد عن التفكير في الأمور المعقدة ـ بوصف الموت وما قبل الموت والتأكيد على حتميتها فقط، وقصارى ما كانوا يذكرون عن علاقة الروح والجسد تصورات وأساطير من قبيل ما يعرف عندهم بالهامة، ويعنون بذلك أن روح الميت تفارقه وتعود إليه فيما يعرف بالهامة وتخبره خبر أهله وما حدث بعده أو أن الروح تعاود الجسد بعد كل مائة عام إلى غير ذلك من الأساطير المبثوثة في كتب الأدب، ولعل منه قولَ أبي دؤاد الإيادي: 
سلط الموت والمنون عليهمُ==فلهم في صدى المقابر هام .
وصفوة الكلام أن الموت في الخطاب الجاهلي عبارة عن ذلك الكائن الغامض الذي لا منجاة منه