ما الفرق بين (ما منعك أن تسجد) – (ما منعك ألا تسجد)؟

خميس, 06/12/2018 - 02:58

(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) ص) (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) الأعراف)
سورة ص ترتيبها 38 في النزول و38 في الجمع في المصحف، سورة الأعراف ترتيبها 39 في ترتيب النزول و9 في الجمع. إذن سورة الأعراف نزلت بعد سورة ص أما في الجمع فهي قبل سورة ص، والصيغة في الأعراف جاءت (ألا تسجد) بينما جاءت في ص (أن تسجد).
(ألا) أصلها (أن – لا) ما الذي يمنع أي أحد أن يسجد؟ إما مانع ذاتي أو مانع خارجي. فهذه التركيبة ليبين لك أن السؤال هو: هل منعك أحد أو أن المنع من داخلك؟ أقام الله تعالى على ابليس الحجة تماماً وإجابة ابليس في الموضعين تدل على أن عدم سجوده كان من داخله وليس رغماً عنه أو أحد منعه. الله تعالى قال له (أَسْتَكْبَرْتَ) هذا أمر داخلي (أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) أمر خارجي، يعني أمام أحد.
عندما نستعرض كل الصور التي وردت لهذه الواقعة فهي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم. (العالين) ليسوا هم حملة العرش وأنهم لم يؤمروا بالسجود، الله تعالى أمر الملائكة الذين سيسجدون (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ). ابليس في عقيدته أمر فقد اعتقد اعتقاداً جازماً أنه أفضل الخلق على الإطلاق تتجلى في ردّه (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) وهذا غباء منه فهو يكلّم الخالق سبحانه وتعالى الذي خلقه، العالم الذي يعلم كل شيء. والناس أغبى من ابليس لأن الله تعالى حذّرنا منه ومع هذا لم نحذر.
(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) فيها صيانة احتمال أن يكون المانع من السجود خارجياً فكان رد ابليس على الإثبات كردّه على النفي فهو في الحالتين مستكبر (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) ولم يقل أن الملائكة مثلاً منعته من السجود، وابليس أُمر بالسجود مع الملائكة وهو ليس من الملائكة بدليل قوله تعالى (إِذْ أَمَرْتُكَ) كان ممكن لابليس أن يقول لم تأمرني وإنما أمرت الملائكة. أقرّ أن الأمر بالسجود شمله. مثلاً لو كنت أخاطب فصلاً فيه متفوقين وبينهم واحد متخلف فالخطاب سيكون للمتفوقين ويكون أمام المتخلّف فرصة أن يتفوق وحشرته مع المتفوقين، أو لو كنت في فصل للمتخلفين وبينهم متفوق فالخطاب سيكون للمتخلفين والمتفوق لن يهمه الأمر لأنه متفوق. (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ (71) ص) الأمر لمن هو أعلى من ابليس فكان عليه أن ينفّذ وابليس لم يدافع ويقول لله تعالى أن الأمر كان للملائكة وهو ليس من الملائكة وإنما أجاب على أن الأمر بالسجود شمله. فلا يأتي من يقول أن ابليس كان من الملائكة أو كان طاووس الملائكة وغيره من الكلام الذي يضيّع الدين. وللأسف هناك من الناس من يقلّد ابليس في الكبر والكبر هو أول طريق الفشل. لو كان الإنسان واعياً فلن يتكبر لأن هذه صفة ابليس التي وصفه الله تعالى بها (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) قال ابليس (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) ومن البشر من يقول أنا خير من فلان وفلان، هذا بواب، هذا خادم، أنا سيّد!! يجب أن لا نقترب من منطقة الكبر إطلاقاً لأنها تشبّه بإبليس ولو أردنا أن نتشبه فلنتشبه بالملائكة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ (34) البقرة) وفي آيات أخرى يقول تعالى (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ (74) ص) استثناء ابليس هنا من الحضور لا من الملائكة. استثناء من الفعل، لأن ابليس أُمر بصفته حاضراً مع الملائكة والقرآن شرحها (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) وفي الحالتين ردّ ابليس (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ).
فالصياغة (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) لصيانة الاحتمال هل المانع من السجود داخلي أو خارجي وما ذكرت هذه الآيات في الكتاب إلا لتذكّر من لا يسجد: لم لا تصلي أيها المسلم؟!! لم لا تتحجبي؟ لم لا تنصاع لأمر الله أيها المسلم؟!!!
لو كنا نقرأ القرآن بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم في البداية مجازاً وفي أثنائها حقيقة ومجازاً وبعد حقيقة لفهمنا هذه الآيات ووعينا ألا نكون كإبليس فلا نسجد ولو اعتبرنا السجود هو سجود الصلاة لقوله تعالى (أقيموا الصلاة).
هذا سر الصياغة (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ). (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) مانع داخلي أما (ألا تسجد) فالمانع خارجي، هل كان هناك من منعك عن السجود؟ هل هناك من أبلغك أن الأمر لا يشملك؟
حجة ابليس أنه خير من آدم إنما هو مجرد توهّم عنده وهي ليست حقيقة.