الصلاة على الحبيب

جمعة, 07/12/2018 - 02:16

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الإخوة والأخوات أسعد الله صباحكم بكل خير. أولاً وقبل كل شيء صلّوا على الحبيب صلى الله عليه وسلم. اليوم استوقفتني آية عظيمة وأنا أقرؤها قوله سبحانه (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ عبس) استوقفتني هذه الآية العظيمة وأنا أكاد أتخيل يوم القيامة ذلك اليوم العظيم ذلك اليوم الذي يُحشر فيه الناس على صعيد واحد ينتظرون لا يدرون إن كانوا سيستلمون كتبهم بأيمانهم أم بشمائلهم والعياذ بالله. في ذلك الوقت الصعب الشديد الحرج في ذلك الوقت الحرج جداً يفرّ الإنسان من أقرب الناس إليه، يفرّ الواحد منا من الأشخاص الذين كانوا على مقربة منه في حياته، أولئك الناس الذين كانوا هم أقرب الناس وكل الناس فالحياة لا تصفو ولا تحلو بدونهم والحياة تصعب وتشتد إذا ابتعد الواحد منهم، الأقارب، الأهل، الأحباب، الذين لأجلهم وفي حياتنا نقضي الساعات والأيام والشهور بل الأعمار كاملة لأن نكون معهم ونبقى معهم نفكر فيهم في بعض الأحيان قبل أن نفكر بأنفسنا وهذا شيء جيد ولكن انظر إلى هذه الآية العظيمة (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾) كل الناس، كل المقرّبين. لماذا استوقفتني الآية؟ خطر ببالي هل يا ترى هناك أحد من البشر لا يفرّ مني وأنا محتاجة إلى العون والمساعدة وإلى من يقف بجانبي؟ ومن هو ذاك الشخص؟ وإذا بالحبيب صلى الله عليه وسلم يأتي مباشرة إلى القلب والخاطر وهو الذي حُقّ له ألا يفارق القلب والخاطر. جاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم على قلبي ولساني وأنا أتذكر حديث الشفاعة الطويل في صحيح البخاري[1] حين يموج الناس يوم القيامة “إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض ويأتون إلى آدم عليه السلام موسى عليه السلام عيسى عليه السلام يسألونهم الشفاعة، يسألونهم شيئاً يخلّصهم مما هم فيه جميع هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقولون لستُ لها إذهبوا إلى شخص آخر إلى أن يقول عيسى عليه السلام إذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتي الحبيب صلى الله عليه وسلم ويسج بين يدي ربه سبحانه ثم يقال له صلى الله عليه وسلم يا محمد إرفع رأسك وقُل يُسمع لك وسلْ تُعطى واشفع تُشفّع فإذا بالحبيب صلى الله عليه وسلم لا يقوم إلا كلمة واحدة: يا رب أمّتي، أمّتي. إذن هو الحبيب، هو الحبيب الذي لا يفرّ منك ولكنك تفرّ إليه. الحبيب الذي حين يفرّ منك كل الناس فكلٌهم مشغول فيما هم فيه إذا به صلى الله عليه وسلم يأتيك، يأتيك لأيّ شيء؟ يأتيك ليشفع فيك صلى الله عليه وسلم. هذا النبي الحبيب حين أستحضر هذه القضية أمام عينيّ، فقط هذه القضية ليست قضايا كثيرة، جزء من علاقتي وطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون بيني وبين حبيبي المصطفى صلى الله عليه وسلم علاقة الإيمان التي لا تتم إلا بحبه صلى الله عليه وسلم ولكننا نريد في هذه اللحظات ومن خلال هذه الأحاديث والدقائق التي نقضيها سوية أن نتعرف كيف يمكننا أن نصل إلى مرحلة الحب له صلى الله عليه وسلم أن نتعلم كيف نحب النبي صلى الله عليه وسلم وأن يصبح هو عليه الصلاة والسلام أقرب إلينا من كل أحد وحبّ النبي صلى الله عليه وسلم أحبّ إلينا من المال زالولد والدنيا وكل شيء لأنه أهل لهذا الحب وحقٌ أن يُحَبّ. النبي صلى الله عليه وسلم أيها الإخوة والأخوات يحبنا جميعاً، يحب هذه الأمة، يحبنا كيف؟ ذات يوم في حديث صحيح[2] جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة وبعد أن سلّم على أهلها قال: وددت لو أنا رأينا إخواننا فإذا بأصحابه صلى الله عليه وسلم يقولون له: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال بل أنتم أصحابي وإخواني الذين لم يأتوا بعد. نحن أنا وأنتم إخوان النبي صلى الله عليه وسلم، أنا وأنتم من لن يكون لنا يوم القيامة من يساند بعد الله عز وجل سوى هو صلى الله عليه وسلم والشفاعة فينا جميعاً. نسال الله أن يرزقنا هذه الشفاعة.
إذن ينبغي أن أستحضر هذه المعاني لكي أتعرف أكثر فأكثر على شخص النبي صلى الله عليه وسلم لكي حين أصلي عليه لا تكون الصلاة مجرد ذكر باللسان، لا تكون فقط مجرد تحريك بالشفاه هي كلمات نعم، ولكنها كلمات تتحرك بها شغاف القلوب قبل أن تتحرك بها الشفاه، هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم. ولن نصل إلى هذه المرحلة من الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم التي يغفر بها الذنوب وتُكفى بها الهموم وتُفرّج بها الكروب كما جاء في الحديث الصحيح لن نصل إليها إلا حين أتعرف على شخصه صلى الله عليه وسلم، سيرته العطرة، أخلاقه وشمائله وأتمثل تلك الأخلاق والشمائل وأسير على دربه وخطاه وعلى سنته فعلاً قبل أن يكون قولاً.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تجدّد العلاقة بيني وبينه، تقوّي أواصر المحبة، تربط بيني وبينه عليه الصلاة والسلام. لا تجعل تلك الأعوام وتلك الفواصل الزمنية التي بيننا وعدم ورؤيتنا للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم وجودنا في عصره وفي زمانه كما كان عليه الحال مع أصحابه لا تصبح مانعاً لنا من محبته والوصول إلى هذه المحبة. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تجدد فيّ معاني أن أتمثّل تلك الأخلاق الراقية التي كان يتمثّلها النبي صلى الله عليه وسلم. ولنا اليوم بما أننا ذكرنا حديث الشفاعة وذكرنا ما كان يقوله “ودِدت لو أنا قد رأينا إخواننا” يذكّرنا بشيء في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك الشيء هو تلك المحبة الرائعة، المحبة غير المشروطة لإخوانه، ما أحوجنا اليوم، اليوم في هذا الزمان الذي تكاثرت فيه الماديات والتي خلت أو تقريباً تكاد تخلو الحياة من تلك اللمسات الرائعة الصادقة لمسات المحبة غير المشروطة، لمسات التعاون والتآخي والتعارف بين الناس، لمسات حب الخير لكل الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وأشكالهم، حب الخير لهم سواء أكانوا قريبين منا أم لم يكونوا، سواء أكنا نعرفهم أم لم نكن نعرفهم. اُنظر إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم كيف كان يُحبنا وهو لم يرانا، كيف هو يشفع في أمته صلى الله عليه وسلم، كيف هو يقدّم المحبة للصغير والكبير للفقير وللغني، للمرأة للعجوز للشابّ للجميع. اُنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلِّم الناس الحبّ هذا النبي العظيم معلِّم الناس الحبّ الأول الذي لم يسبقه أحد في تعليمه للحب، لم يعلمهم الحب من خلال كلمات، أبداً، وإنما من تصرفاته، من سلوكياته، اُنظر إلى محبته وعطفه وشفقته ورأفته بغير المسلمين بذلك الفتى اليهودي الذي حضر إليه يعوده وهو مريض على فراش الموت، اُنظر إلى سفقته حتى بأهل مكة الذين تسببوا في إيذائه وفي خروجه من وطنه ومفارقته له، اُنظر إلى تعامله معهم ما كان ذلك التعامل ولا ذلك السلوك الذي وصفه ربي عز وجل فقال (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) القلم) ما كان ذلك التعامل ليخرج من قلب لم يتمثل فيه معاني الحب الحقيقي أبداً، النبي صلى الله عليه وسلم كان العطاء عنده عطاءً عفويًا لأنه عطاء المحبة لأنه عطاء الخير للناس، ما أحوجنا اليوم ونحن في هذا اليوم العظيم يوم الجمعة نصلي ونسلم عليه عليه الصلاة والسلام ولكن مع الصلاة والسلام عليه نستحضر ونعيد من جديد ذلك الخُلق العظيم في حياتنا إن أحببت حباً حقيقياً إذن عليك أن تحب الناس حباً غير مشروط، إفعل الخير ولا تسل عن الجزاء فالجزاء محفوظ عند الرب سبحانه وتعالى الذي يوافي ويعطي بالخير ويجازي إحساناً ومعروفاً وخيراً وجزاءً وعطاء في يوم الجزاء. الدنيا دار عمل قدِّم للآخرين كل ما تستطيع أن تقدّمه ولا تفكر بأني سأوصف بأوصاف معينة وماذا سيقول عني الآخرين وماذا سأخسر؟ لن تخسر، أنت الرابح الحقيقي في ذلك العطاء غير المشروط، أنت الرابح حين تصبح بعطاياك، بقلبك المفتوح، بأياديك البيضاء المرفوعة العليا، حين تصبح تلك الأيادي أيادي عطاء، العطاء يرفعنا العطاء يجدد الحياة فينا، الحب للخير، الحب للناس يعيد البسمة والسعادة إلى حياتنا المعاصرة، يجدد كل شيء من حولنا، كلمة واحدة، عطاء واحد غير مشروط يمكن أن يغير عشرات المواقف في حياتنا، يمكن له أن يغير علاقتك مع إخوانك، مع أهلك، مع زوجتك،  في وسط المجتمع، في وسط المكان الذي تعمل فيه، في كل مكان. ما أحوجنا إلى تمثّل هذه المعاني الرائعة التي ما كان لأحد أن يعلمنا إياها كما علمنا إياها الحبيب صلى الله عليه وسلم. نلقاكم إن شاء الله في لقاء قادم، أكثروا من الصلاة والسلام على الحبيب واستحضروا ذلك المعنى العظيم وزيدوا في الصلاة عليه صلاة وتسليماً صلى الله عليه وسلم.
[1] اجتمعنا ناس من أهل البصرة ، فذهبنا إلى أنس بن مالك ، وذهبنا معنا بثابت البناني إليه ، يسأله لنا عن حديث الشفاعة ، فإذا هو في قصره ، فوافقناه يصلي الضحى ، فاستأذنا فأذن لنا وهو قاعد على فراشه ، فقلنا لثابت : لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة ، فقال : يا أبا حمزة ، هؤلاء إخوانك من أهل البصرة ، جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة ، فقال : حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كان يوم القيمة ماج الناس بعضهم في بعض ، فيأتون آدم فيقولون : اشفع لنا إلى ربك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن ، فيأتون إبراهيم ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله ، فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته ، فيأتون عيسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيأتونني ، فأقول : أنا لها ، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن ، فأحمده بتلك المحامد ، وأخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ، أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال : انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقول : انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل ) . فلما خرجنا من عند أنس ، قلت لبعض أصحابنا : لو مررنا بالحسن ، وهو متوار في منزل أبي خليفة ، فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك ، فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا ، فقلنا له : يا أبا سعيد ، جئناك من عند أخيك أنس بن مالك ، فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة ، فقال : هيه ، فحدثناه بالحديث ، فانتهى إلى هذا الموضع ، فقال : هيه ، فقلنا : لم يزد لنا على هذا ، فقال : لقد حدثني ، وهو جميع ، منذ عشرين سنة ، فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا ، قلنا يا أبا سعيد فحدثنا : فضحك وقال : خلق الإنسان عجولا ، ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم ، حدثني كما حدثكم به ، وقال : ( ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخر له ساجدا ، فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع ، وسل تعطه ، واشفع تشفع ، فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ، فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ) .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 7510 – خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
[2] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال : ” السلام عليكم دار قوم مؤمنين . وإنا ، إن شاء الله ، بكم لاحقون . وددت أنا قد رأينا إخواننا ” قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال ” أنتم أصحابي . وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ” . فقالوا : كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال ” أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة . بين ظهري خيل دهم بهم . ألا يعرف خيله ؟ ” قالوا : بلى . يا رسول الله ! قال ” فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء . وأنا فرطهم على الحوض . ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . أناديهم : ألا هلم ! فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : سحقا سحقا ” . وفي رواية : وفيه ” فليذادن رجال عن حوضي ” .
الراوي: أبو هريرة المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 249 – خلاصة حكم المحدث: صحيح