فيديو

خطاب الرئيس ولد الغزواني خلال الجلسة العامة للقمة الروسية الإفريقية

إعلانات

تابعنا على فيسبوك

صحيفة جريدتي

جريدتي

بلاغة آية وحديث

ثلاثاء, 14/01/2020 - 00:02

نتناول في كل حلقة آية من آيات كتاب الله العزيز ونأخذ وقفاتها البلاغية والبيانية وأسرارها وإعجازها، شيئا من ذلك لأننا مهما فعلنا لن نحيط بإعجاز الله في كتابه الكريم. ثم في النصف الثاني من كل حلقة سنتطرق إلى مقطع مختار من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم مبينين أسراره وبعض الوقفات البلاغية التي فيه.
في الحلقة الأولى نتطرق إلى آيتين عظيمتين في كتاب الله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾) هاتان الآيتان العظيمتان من سورة النحل الآية 68 و69 آيتان وردتا في سر عظيم من أسرار الله سبحانه وتعالى التي بثها في خلق من أضعف خلقه وهو النحلة التي تُخرج لنا العسل الذي فيه الشفاء وفيه المذاق الحلو، جعل الله هذا الشراب الحلو وهذا الشفاء للناس في هذه الحشرة الصغيرة التي ليست أجمل الحشرات شكلًا وليست أكبر المخلوقات ولا أقواها “يضع سرّه في أضعف خلقه”.
هاتان الآيتان لهما مناسبة ورود بين الآيات التي قبلها وبين الآيات التي بعدها، وهذا من بديع النظم القرآني عندما تأتي الآية كالحلقة في وسط العقد الجميل، هذه الآية جاءت فعلًا في حلقة متراصة منتظمة في نظم فريد بين آيات قبلها وبين آيات بعدها، والعلماء رحمهم الله تكلموا عما يتعلق بالآيات التي قبلها؛ حيث ذكر الله جلّ جلاله في الآيات التي قبل إخراج الأنعام للبن بين الفرث والدم ثم إخراج الأشجار وهي الخشب والأعواد يخرج منها العنب، وهذا من بديع خلق الله جلّ جلاله قال الله جل جلال الله (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿٦٦﴾) هذه آية الأنعام التي يخرج منها الشراب ثم قال تعالى عن الأخشاب (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾) بعدها مباشرة قال (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)، العلماء رحمهم الله ومنهم الإمام الرازي في تفسيره العظيم الكبير “مفاتح الغيب” قال: إن الله سبحانه وتعالى لما بين أن إخراج الألبان من النعم والدواب وبهيمة الأنعام يخرج منها اللبن من بين فرث ودم هذا اللبن هو سائغ، مصفّى، شفاء، طعم، مذاقه حلو، يُشبع، يروي، هذا اللبن الذي يخرج من هذه الأنعام، وبعدها ذكر الله سبحانه وتعالى أنه يخرج من الأخشاب السكر والرزق الحسن من الأعناب ونحوها بعدها مباشرة جاءت آية النحل أي كما يخرج من الأنعام اللبن ويُخرج من الأخشاب العنب والسكر والرزق الحسن أيضًا يخرج من هذه النحلة الحشرة الضعيفة هذا الأمر العظيم الكبير العجيب وهو العسل الذي فيه شفاء للناس. هذا ما يتعلق بمناسبة الآيتين لما قبلهما.
وأما ما يتعلق بمناسبتهما لما بعدهما فإن المتأمل يجد أن الآية 70 التي جاءت بعد آية النحل هي قول الله (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾) ما مناسبة آية مراحل العمر لبني آدم لآية العسل؟ يذكر صاحب كتاب مهم جدا وهو كتاب “نظم الدرر في تناسب الآي والسور” للبقاعي رحمه الله، يذكر كل آية وما يناسبها مما ورد قبلها أو جاء بعدها ويذكر أول السورة وآخرها لماذا تناسبتا ويذكر هذه السورة كيف وقعت موقعا حسنا بين السورة التي سبقتها والسورة التي تأتي بعدها، يذكر البقاعي رحمه الله في هذه الآية العظيمة أن الله لما ذكر من شامل علمه وعظيم اختياره أنه يخرج من الأنعام لبنا ومن الأشجار ثمرات ومن النحل عسلا، ذكر بعد ذلك أن الإنسان يمر بمراحل عمره المتعددة وهي أربعة: مرحلة الطفولة، مرحلة النمو ثم مرحلة الشباب ثم الكهولة وهي التي يتوقف عندها القوة ثم تأتي الشيخوخة وما يتبعها من ضعف وخور بعد قوة  الذي لا ينفعه معها حتى ما كان شفاء للناس وهو العسل، حيث يأتي بعده الموت المفنّد، وهذه سنة الله في الحياة أنه يمر بمراحل ما قبلها كان ينفعه الشفاء والعسل ونحو ذلك أما إذا وصل الأمر إلى الحق وإلى اليقين وهي الوفاة فإنه لا ينفع حتى الشفاء.
البلاغة النبوية في حديث
اخترت لكم حديثا صحيحا رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ والنسائي والترمذي في سننهما، هذا الحديث يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه”.
هذا الحديث الصحيح العظيم كما يقول العلماء إنه من أهم المواعظ وأصحها في السنة النبوية وأبلغها من حيث لفظه ومعناه وما دل عليه. ولهذا الحديث منزلة كبرى؛ والسبب أنه اشتمل على فضائل أعمال عظيمة جدا واشتمل جزاء لها على جزاء عظيم لا يكاد يُقدر قدره وهو ظل العرش يوم القيامة في موقف ستدنو فيه الشمس من الخلائق، وسيكون العرق على درجات وطبقات؛ من الناس من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم عافانا الله وإياكم ووالدينا والمسلمين من يلجمه العرق إلجاما؛ في ذلك الموضع الذي ستدنو الشمس فيه دنوا مهولا مخيفا، في ذلك الموضع الذي سيكون فيه اليوم ألف سنة مما نعد، هذا الموقف المهول العظيم الكبير ستأتي هذه الأصناف السبعة وستكون في ظل العرش لا يحزنون إذ يحزن الناس، لا يخافون إذ يخاف الناس، لا يعرقون إذ يلجم العرق أقواما وفئاما من الناس، ولهذا كان سبب فضل هذا الحديث عظيما جدا؛ حتى قال عنه ابن عبد البرّ: إنه أحسن حديث مروي في المواعظ. ومن أهمية الحديث أن الإمام العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله ألّف كتابا كاملا اسمه (تمهيد الفرش في الخصال الموجبة للعرش) كتاب خاص عما يوجب العرش وظله وجماله، بل جاء رجل اسمه السخاوي فقال: الخصال الموجبة للظلال. هذا الحديث العظيم قال عنه الشيخ عطية سالم رحمه الله -وهو من العلماء الكبار الأجلاء-إنه اشتمل كل طبقات المجتمع من القاعدة التي نبتدىء منها إلى القمة وهو الإمام العادل.